السّلفيّة الأردنية: استراتيجية “أسلمة المجتمع” وسؤال العلاقة “الملتبسة” مع الدّولة

غلاف الكتاب 

 

مؤسسة فريدريش أيبرت- عمان 

السّلفيّة الأردنية: استراتيجية “أسلمة المجتمع” وسؤال العلاقة “الملتبسة” مع الدّولة

محمد أبو رمان                    حسن أبو هنية 

 استهلال 

   يمثل تيار “السلفية المحافظة” أحد أبرز ثلاثة تيارات تتقاسم “المشهد الإسلامي” الشعبي الأردني، بالإضافة إلى كلّ من جماعة الإخوان المسلمين، وتيار “السلفية الجهادية”، الذي يمثّل الوجه الآخر الراديكالي للدعوة السلفية.

    “السلفية المحافظة” ليست جماعة إسلامية بالمعنى الكلاسيكي أو الهيراركي، فهي أقرب إلى اتجاه ديني- اجتماعي يضم شيوخاً وتلاميذ (أتباعاً)، ينتظمون من خلال دروس وحلقات دينية ومنهج فكري معين، ونشاطات مشتركة، مع رفض الالتزام بصورة رسمية أو علنية بإطار حزبي أو تنظيمي معين، إذ يعتبرون ذلك مخالفاً لمنهجهم.

   أخذ حضور “السلفية المحافظة” يبرز  في الأردن مع بدايات الثمانينات من القرن الماضي، عندما استقر أحد أكثر شيوخ الدعوة السلفية في العالم شهرة، الشيخ ناصر الدين الألباني، في عمان، وبدأت دائرة أتباعه ومريديه بالاتساع والانتشار، مع أفكار دعوته وفتاواه الدينية، ليس فقط في الأردن، بل خارجه، من خلال كتبه وكتب أتباعه.

   طبيعة أفكار “السلفية المحافظة” تقتضي الاشتباك مباشرةً مع الثقافة الدينية- الاجتماعية السائدة، باعتبار أنّ “مهمة” السلفيين تصحيح عقائد الناس وتنقيتها مما علق بها من “بدع” (أمور مستحدثة “غير صحيحة” ومفاهيم وسلوكيات ليست من الدين الصحيح).

    وفي مجتمع مثل الأردن، الذي لم يكن (تاريخياً) على تماس مع الدعوة السلفية بقدر ما حظيت فيه افكار الصوفية والمذهبية بحضور واسع، حتى داخل المؤسسة الدينية الرسمية، كان من المتوقع أن يحدث اصطدام عنيف بين السلفية وعدوها التقليدي التاريخي الصوفية، وأن يدخل السلفيون معارك على “ساحات النفوذ” مع المدرسة الصوفية.

   الصراع مع الصوفية لم يكن الوحيد، الذي خاضه السلفيون، وما يزال، إذ كانت معركتهم الرئيسة الأخرى هي مع جماعة “الإخوان المسلمين”، التي كانت تتمتع بحضور واسع في المساجد ومراكز الاشتباك والاتصال الشعبي، وكان لخطابهم الديني- السياسي حضورٌ واضح، من خلال خطبائهم ودعاتهم وأساتذة الجامعات والتكنوقراط المنخرطون في الجماعة.

     منذ حضورها المبكّر في المجتمع الأردني أعلنت الدعوة السلفية [p1] عن خصومتها الصريحة مع جماعة الإخوان وأفكارهم، وذلك بما كان يقدمه الألباني من خطاب فكري معارض للعمل السياسي حتى بصيغته الإسلامية، نظراً لرفضه الحزبية الإسلامية، وهجومه العلني والصريح على العقائد الدينية للجماعات الأخرى، باعتبارها لا تلتزم بعقائد ومناهج السلف الصالح، نظرياً وعملياً.

    في المقابل، عقدت السلفية المحافظة “صفقة” غير رسمية، عملياً، مع الأجهزة الرسمية الأردنية، وحدث تزاوج بين الطرفين يقوم على قبول الدولة للمواقف السياسية المعلنة للسلفية، التي ترفض الانخراط في العمل السياسي، وتشكك بالمعارضة وتعلن ضرورة طاعة الحاكم باعتباره “ولي الأمر الشرعي”، وتخوض حرب نفوذ مع الجماعات الإسلامية الأخرى في المساجد والمنابر الاجتماعية والثقافية، مما يساعد الحكومات على مواجهة نفوذ تلك الحركات، و تحديداً الإخوان المسلمين سابقاً والجهاديين لاحقاً.

    ليس ذلك فحسب، بل وظّفت مؤسسات رسميّة السلفيين لخدمة السياسات الرسمية من خلال الفتاوى والخطابات المؤيدة دوماً للدولة، تلك التي انتزعت الخطاب الإسلامي- الديني من الملكية الحصرية للحركات الإسلامية المناكفة للحكومة، فأصبح مقسوماً على اثنين وثلاثة وأربعة، مما منح الحكومة أدوات وقدرة تنافسية مع الجماعات الأخرى، في ظل عجز المؤسسة الدينية الرسمية عن مواجهة الحضور الإسلامي الآخر.

     بالضرورة، “الخدمات السلفية” لم تكن مجّانية، فقد حظي السلفيون [p2] بغطاء أمني واسع، وبمساحات مباحة في المساجد والمدارس والجامعات وفي كل مكان، ووفرت لهم الدولة حماية من أي ملاحقة أو مساءلة، حتى على تلك الأموال التي تدفّقت من دول الخليج لرعاية العمل السلفي، ولطباعة الكتب ودعم النشاطات المختلفة للسلفيين.

     بيد أنّ معضلة “الصفقة” الضمنية بين الدولة والسلفية تتمثل بالخطاب السلفي الاجتماعي المحافظ، والمتشدد أحيانا ، مما يجعل من تبنّي الدولة رسمياً له محرجاً لها، ويجعل العلاقة ذات طابع خلافي هلامي وظيفي.

     إذ يتخذ السلفيون مواقف محافظة في مسألة لباس الرجل (الثوب العربي) والمرأة (الخمار) وضد التعددية السياسية والفكرية، وضد الفنون والأدب والموسيقى والأغاني والاختلاط، وغيرها من مظاهر للحداثة الاجتماعية المنتشرة في المجتمع الأردني.

    ولعدم وجود تعريف منضبط واضح محدّد توافقي للسلفية، فإنّ صراع “المحافظين” مع المدارس والاتجاهات السلفية الأخرى، اندلع حتى على عنوان “السلفية”. فكل من “المحافظين” “والجهاديين” يدّعي مشروعية تمثيل المدرسة السلفية فكرياً وتاريخياً وسياسياً، ويتّهم الآخر بالانحراف عن مسارها الصحيح.

    المفارقة أنّ الشيخ الألباني، الأب الروحي للسلفية المحافظة في الأردن، كان من أكثر المؤثرين والفاعلين في تكريس عنوان السلفية في الساحة الإسلامية، والتأكيد على أهمية تمايز هذه المدرسة عن غيرها، حتى أنّ هنالك من يطلق على سلفيي الأردن وأتباع الشيخ مصطلح “السلفية الألبانية”.

    لكن مع بداية التسعينات، ومع بروز الوجه الآخر للسلفية (الجهادي) على يد الأب الروحي له أبو محمد المقدسي، بدأ كلّ من الاتجاهين يتنازع الحديث على اسم السلفية ويدّعي أحقيته تمثيلها. وبالرغم من الصراع الشديد بين الاتجاهين والاختلاف الكبير في مواقفها السياسية من الحكومات والنظم، إلاّ أنّهما يتفقان على رموز معيّنة، مثل حضور بعض العلماء والفقهاء الإسلاميين المؤثرين تاريخياً في خطابهما الفكري والديني، كابن تيمية وابن قيم الجوزية وأحمد بن حنبل، والشوكاني ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم.

    وإذا كانت كُلاًّ من السلفية المحافظة والجهادية بمثابة الوجهين المتقابلين للمدرسة السلفية في الأردن، فإنّنا أمام صيغ وألوان وصور أخرى متعددة للسلفية في العالم العربي، تتجاوز حتى هذين الاتجاهين الرئيسين في الأردن.

     هنالك، إذن، “سلفيات متعددة” وليست سلفية واحدة، بل تاريخياً كانت السلفيات النهضوية- الإصلاحية والوطنية بمثابة أبرز المدارس الفكرية في العالم العربي، كما قدّمها كلٌّ من محمد رشيد رضا وابن باديس، إلى أن بدأت “السلفية المحافظة” ( التي تنسب نفسها إلى دعوة محمد بن عبد الوهاب) بالبروز والانتشار مع بداية السبعينات (بصورة خاصة من السعودية) “مدعومةً” بمال النفط، سواء من خلال المؤسسات العالمية الدعوية والكتب والأشرطة الدينية والاتصال بأعداد كبيرة من الناس خلال مواسم العمرة والحج، وكذلك بواسطة العاملين في السعودية والخليج، الذين يتشربون هذه التعاليم والأفكار من خلال الكتب والدروس والخطب والمواعظ والأشرطة، مع وجود تبنّ معلن وصريح من الدولة السعودية للمذهب السلفي، بصيغته المحافظة.

     في الأردن،كان التأثير السعودي الداعم للسلفية المحافظة كبير جداً، نظراً للتقارب الجغرافي الكبير، وللأعداد الكبيرة من الأردنيين العاملين في الخليج الذين تشربوا هذه الأفكار والتصورات، وتأثروا بها، ولوجود آلاف المنح التي وفرتها الجامعات السعودية لطلبة أردنيين، ولسهولة التواصل بين البلدين، كلّ ذلك سهّل عبور السلفية إلى الأردن، أفكاراً دينية وفقهية، لدى أوساط اجتماعية واسعة، لكن سياسياً لم تستطع السلفية المحافظة إقناع الناس بخطابها السياسي الودي مع الحكومات في بيئة تضج بالاحتقان والغضب وخيبات الآمل من الحكومات، ومجتمع يشتبك مع السياسة بصورة يومية ومباشرة.

      يمكن القول: إنّ العقود الثلاثة الأخيرة شهدت انحسارا واضحا لأتباع السلفية الإصلاحية والوطنية لمصلحة السلفية الوهابية، التي اتخذت أشكالا متنوعة من السلفيات؛ كالسلفية الجهادية والحركية والمحافظة.

     في هذا الكتاب سنعمد، ابتداءً، إلى فض الاشتباك بين السلفيات المتعددة، وتوضيح أين تقع السلفية المحافظة (أردنياً) على هذه الخريطة، تحضيراً لتناول هذا التيار بصورة دقيقة عميقة في سياقاته الإسلامية والاجتماعية والثقافية.

   ويتناول الكتاب مسيرة ناصر الدين الألباني “الأب المؤسس” للسلفية المحافظة في الأردن، والمراحل التي مرّ بها وأثّرت على رؤيته الدينية والاجتماعية والسياسية، بعد ذلك يتناول الكتاب تطور السلفية المحافظة في الأردن، والمراحل التي مرّت بها، فالأيديولوجية [p3] التي قام عليها التيار وتلخّص رؤيته للعالم والمجتمع والسياسة والتراث الإسلامي والحداثة، وصولاً إلى استنطاق تصور السلفية المحافظة للتغيير وعلاقتهم [p4] بالسياسة نظرياً وعملياً، وانعكاس كل تلك الأفكار والمواقف على رؤية السلفيين للجماعات والأحزاب الإسلامية الأخرى.

    ثم يقوم الكتاب بتقديم تصور تقريبي عن حضور الحركة السلفية في الأردن، من خلال صيغة نشاطها وفعاليتها والعلاقة بين أفرادها وقياداتها وأنصارها، وأساليب التجنيد ومناطق الانتشار، والخلفيات العلمية والثقافية والاجتماعية لأفرادها.

    وأخيراً، يختم الكتاب بمناقشة السياسات الرسمية تجاه السلفيين والحركات الأخرى، ليفتح الباب إلى الدراسة القادمة ضمن هذه السلسلة عن الإسلاميين وجماعاتهم وعلاقتهم بالمجتمع والدولة، من خلال مناقشة  السياسات الدينية الرسمية التي تبنّتها الدولة تجاه “الحقل الديني”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-1-

خرائط أيديولوجية هجينة:

المسارات السلفية المتضاربة والمتقابلة 

   تعتبر السلفية المحافظة في الأردن أحد فروع المدارس السلفية في العالم العربي والإسلامي، وربما يكون مفهوم السلفية على الرغم من انتشاره وتداوله من أكثر المفاهيم إلتباساً وغموضاً، إذ تختلف الأنظار في تبيان دلالته الاصطلاحية[1] .

   السلفية في اللغة: نسبة إلى السلف، وفي موسوعة لسان العرب: مادة “سلف”, السالف: المتقدم، والسلفية، الجماعة المتقدمون، وقال الزجّاج: سلفاً، جمعاً قد مضى، والسلف عند الرازي في مختار الصحاح: الماضي والمتقدم، وعند ابن فارس في مقاييس اللغة: الماضي والمتقدم والسابق. وجاء في القرآن الكريم: “فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين” (الزخرف: 56)[2].

  إذا تجاوزنا المعنى اللغوي للسلفية؛ فإنها في دلالاتها الاصطلاحية مرت بأطوار تاريخية عديدة وتحولات فكرية عميقة. أسفرت عن تناسل توجهات وجماعات وحركات تنتمي إلى الفضاء السلفي العمومي، تدعي جميعا الانتماء إلى السلف، ولا زالت تتناسل وتتكاثر نظرا لطبيعتها الإيديولوجية المتصلبة، التي تتوافر على انقسام وتجزؤ وتشتت دائم.

    وعلى الرغم من تكاثر “السلفيات” وتنوعها إلا أنها تجتمع في بنيتها الصلبة على فكرة العودة إلى الجذور، إذ تختلف الدلالة الاصطلاحية للسلفية بحسب التطور التاريخي للمصطلح، والاجتهادات النظرية، والمواقف العملية.

    لذلك؛ تبلورت في العالمين العربي والإسلامي سلفيات متضاربة ومتناقضة كالدعوية والإصلاحية والوطنية والجهادية. ومع ذلك فالاصطلاح التاريخي الشائع للسلفية يشير إلى ذلك الاتجاه الذي يدعو إلى الإقتداء بالسلف الصالح واتخاذهم قدوة ونموذجاً في الحاضر. والسلف الصالح، وفقاً للأدبيات السلفية، هم أهل القرون الثلاثة الأولى في تاريخ الأمة الإسلامية، وأصل ذلك الحديث النبوي : “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته.[3]

   ويبدو أن الاصطلاح التاريخي للسلفية لا يدل على مضمون محدد يتطابق في دلالته على جماعة بعينها وينفيها عن أخرى.

  فهنالك من ينظر إلى السلفية باعتبارها: حركةً إصلاحية تسعى للخروج من حالة الركود العلمي والانهيار السياسي والسيطرة الاستعمارية، من خلال الدعوة إلى إحياء التراث الإسلامي، والعمل على استعادة صورة الإسلام النقية، وتطهيره من الممارسات التي علقت به تاريخيًّا، من البدع والعوائد والشرك، وترسيخ القيم الأخلاقية الإسلاميّة الأصيلة[4].

   وهنالك من ينظر إلى السلفية باعتبارها: نزعة احتجاجية على التطورات التي طرأت على مستويين من المستويات الأساسية للدين، الفكري والتعبدي، إذ تبلورت النزعة [p5] الاحتجاجية السلفية تاريخيا من دون أن تطلق على نفسها مصطلح “السلفية”، فلا نجد في تاريخ الفرق والمذاهب هذه التسمية، في مقابل أسماء فرق عديدة، كالشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة وغيرها[5].

   إلا أن هذه النزعة لها جذوره واضحة، إذ نجد لفظ “سلف” يرد عرضاً في البداية عند المذاهب الفقهية المالكية والحنبلية من المذهب السني، في سياق المجادلات الكلامية، التي وقعت بين هؤلاء مع المعتزلة تاريخياً، والتي دارت حول بعض المسائل العقائدية، كمسألة خلق القرآن والقول بنفي الصفات عن الذات الإلهية، أو مسألة القضاء والقدر في أفعال الإنسان.

    من هنا تأتي أهمية الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ)، لدى السلفية المعاصرة، باعتباره أول فقهاء أهل السنة، إذ يتواتر استخدامه لكلمة “سلف” في سياق غامض وعام يشير إلى أصحاب الرسول أو التابعين الذين يرفضون اعتماد الجدال العقلي في تناول القضايا والمسائل العقدية والعبودية.

    وترسخ هذا المعنى، لدى السلفيين، بشكل أكثر نضجا من الناحية النظرية التأصيلية مع أحمد بن تيميه (661-728هـ) الذي يطلق مصطلح السلف على علماء المسلمين في مقابل الفلاسفة وعلماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.

     وأعيد استخدام المصطلح [p6] مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1115-1206هـ) في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد تبنى مذهب السلف الصالح، بنسخته الحنبلية (نسبة إلى المذهب العقدي والفقهي لدى الإمام أحمد بن حنبل)، في مواجهة المذاهب العقدية والفقهية المختلفة. ويبدو أن مصطلح “السلفية” أصبح راسخاً في الاستخدام وشائعاً في التداول خلال هذه الحقبة، ويظهر بوضوح من خلال تتبع النشأة التاريخية بأن هذا الاتجاه الذي أطلق عليه لاحقاً  الاتجاه السلفي ليس إلا الاتجاه الذي عُرف واشتهر باسم: “أهل الحديث” أو “أصحاب الحديث” خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين. عندما بدأ يتشكل في سياق الاختلاف مع اتجاه “أهل العقل” أو “أهل الرأي”، حول المؤسسة المرجعية صاحبة الشرعية في تأويل النص القرآني والحديث بعد وفاة النبي الكريم ( صلى الله عليه وسلم).

    ”أصحاب الحديث” رأوا أن “السلف الصالح” من أصحاب النبي هم الأولى بتأويل النص وإضاءته، وعلى “الخلف” (اللاحقين من المسلمين) الرجوع إليهم كأصل ومصدر في الفهم والسلوك والاقتداء. ورأوا أن تيار الرأي والعقل الضارب في الروح الإغريقية يمكن أن يأتي على الأسس والأصول المنهجية التي يقوم عليها الإسلام نفسه، وأن جلّ ما جاء به “أهل الكلام” والرأي والمناطقة والفلاسفة ليس إلا محدثات أمور وبدع لا بد من الوقوف بوجهها  والتصدي لها في سبيل الحفاظ على الإسلام الأصيل في مواجهة الدخيل.

   وإذا كانت السلفية التاريخية قد برزت في مواجهة تيار الرأي والاعتزال في الحقبة التأسيسية مع أهل الحديث والإمام أحمد بن حنبل، فقد واجهت تحديات عديدة في حقبة ابن تيمية داخلياً وخارجياً. أما السلفية في نسختها الوهابية، فقد واجهت مسألة الركود الداخلي والانحرافات التي تتم باسم الدين. دفاعاً عن الهوية وطهارتها المفترضة.

    فيما ولّد التحدي الاستعماري (منذ القرن التاسع عشر) سلفيات هجينة جديدة. فقد ظهرت “السلفية الوطنية” كخيار في مواجهة الاستعمار بالقوة المسلحة، في حين واجهت “السلفية الإصلاحية” الغرب الغازي كحضارة. وتناولت سبل النهضة والتقدم، أما “السلفية الحركية” فقد جاءت لتواجه النفوذ الاستعماري في دول ما بعد الاستقلال، وتدعو في الوقت ذاته إلى استعادة الدولة الإسلامية “الخلافة” المفقودة بفعل الاستعمار، ووريثتها الدولة الوطنية. أما “السلفية الجهادية” فقد قامت بمواجهة الدولة الوطنية باعتبارها كافرة، والمجتمع باعتباره جاهلي.

 

   السلفية التاريخية: غلبة هاجس “الهوية العقائدية- الدينية” 

   أولا- السلفية التاريخية، وتعبر عن اتجاه ديني إحيائي يضع نصب اهتمامه قضية الهوية الخاصة وتميزها وطهوريتها، ويعتصم بالنص الوارد عن السلف، ويركز اهتمامه على قضايا الاعتقاد ومسائل العبادات المتعلقة بها. وقد ظهرت على يد الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) في القرن الثالث الهجري. وتعتبر محنة القول بخلق القرآن (في عام 218 هـ) لحظة تاريخية حاسمة في بلورة النزعة السلفية، في مواجهة النزعة العقلية التي تقوم على مبدأ التأويل بدل التسليم والالتزام بظاهر التنزيل[p7] .

   وشهد القرن السابع الهجري مع نهاية الخلافة العباسية، وعقب سقوط بغداد على يد التتار عام (656 هـ) ، ظهور نزعة سلفية ثانية أكثر نضجا ووضوحا على يد ابن تيميه ومدرسته (661-728هـ[p8] ) الذي حمّل “أهل البدع” (من الجهمية والقدرية والباطنية والصوفية والفلاسفة) مسؤولية السقوط والتدهور. فشن حملة عنيفة على سائر التيارات السابقة داعياً إلى إحياء عقيدة السلف ومنهجهم، وتمكن من تأسيس مدرسة استقطبت حشداً من علماء وفقهاء عصره.

   وبلغت السلفية التاريخية مع ابن تيميه أوج نضوجها واكتمالها؛ وتبلور “المنهج السلفي” في صورته الجلية التي أبانت عن قواعده وقضاياه بصورة حاسمة، وحددت معالم الطريق لكافة السلفيين الذين    جاؤوا من بعده وانتسبوا إلى السلفية، وقد تمثلت السلفية التاريخية عبر قرون عديدة في طائفة واسعة من العلماء يصعب حصرهم أمثال: أبو جعفر الطحاوي (321هـ)، وابن بطة العكبري الحنبلي (387هـ)، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458هـ)، وفي موجة ثانية نجد أبا شامة المقدسي (665هـ)، وابن القيم الجوزية (751هـ)، وابن رجب الحنبلي (795)، وفي مرحلة لاحقة برز ابن أبي العز الحنفي (792هـ) صاحب شرح “العقيدة الطحاوية”، وهو الشرح الذي أصبح عمدة السلفية التاريخية والإطار المرجعي لمقولاتها النظرية العقدية.

    ويقوم النظام العقدي والعبادي للسلفية التاريخية على مبدأ مؤسس قوامه “الإتباع لا الابتداع”  استنادا إلى مقولة الصحابي عبد الله بن مسعود: “اتبعوا ولا تبتدعوا”[6]. وقول ابن تيميه ” وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، وألاّ نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع”[7]، وهما نصان يلخصان مواقف السلفية التاريخية وآراءها، وقد أجملها الفقيه أبو عبد الله الطحاوي في عقيدته الشهيرة الموسومة بـ”بيان السنة والجماعة”  الذي أصبح لاحقاً دستورا عقائدياً للتيارات السلفية جميعا[8].

   

   السلفية الوهابية: التأسيس للسلفية الحديثة والمعاصرة

 

    ثانيا- السلفية الوهابية، وقد خرجت من رحم السلفية التاريخية، في مطلع القرن الثامن عشر وامتدت إلى أوائل القرن التاسع عشر على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شبه جزيرة العرب. الذي دعا إلى التوحيد، ورفض فكرة الحلول والاتحاد (في العقيدة الدينية)، وتأكيد مسوؤلية الإنسان، ومنع التوسل بغير الله، والدعوة لفتح باب الاجتهاد، وتأثر بدعوته عدد كبير من العلماء في شتى أنحاء العالم الإسلامي. من أبرزهم: محمد نوح الغلاتي في المدينة المنورة (1752-1803م)، وولي الدين الدهلوي في الهند (1702-1762م)، ومحمد بن علي الشوكاني في اليمن (1760-1834م[p9] )، ثم شهاب الدين محمود الآلوسي في العراق (1802-[p10] 1803م)، وعثمان بن فودي في إفريقيا (ولد في 1756م).

     وتعتبر السلفية الوهابية الأنموذج الإرشادي لكافة السلفيات اللاحقة في العالمين العربي والإسلامي، إذ استقر مصطلح “السلفية” في دلالته الاصطلاحية بشكل واضح لا لبس فيه، وتناسلت من رحم السلفية الوهابية، وما تزال تتناسل سلفيات جديدة.

   وأصبحت “السلفية” مع الحركة الوهابية ذات دلالة اصطلاحية على فرقة معينة وآراء مخصوصة في الساحة الإسلامية الحديثة، وتعتبر السلفية الوهابية من الناحية الدينية “دعوة إصلاحية تطهيرية” تسعى للحفاظ على الهوية عبر التمسك بظاهر النص، وتقوم على فهم شبه لفظي له في جوانبه العقدية والرمزية و الشعائرية.

   خاضت السلفية الوهابية حرباً مع الطرق الصوفية وممارساتها الدينية، متّهِمةً إياها بالشعوذة  والخرافة داعيةً إلى الرجوع إلى نقاء التوحيد وصفاء العقيدة الإسلامية.

     سياسياً، كانت الوهابية ثورة على دولة الخلافة العثمانية على الرغم من أنها لم تتوافر على اهتمامات سياسية مباشرة، فقد جرى تقاسم المجال العام بين آل سعود وآل الشيخ منذ تأسيسها، وذلك بتولي آل الشيخ للجانب الديني، وآل سعود للجانب السياسي، واستند على موقف السلفية الوهابية من السلطة السياسية لموقف السلفية التاريخية العام الداعي إلى وجوب طاعة أولي الأمر في المنشط والمكره [p11] .

 

      السلفية الإصلاحية: غلبة سؤال النهضة على الهوية

 

      ثالثا- السلفية الإصلاحية، وقد تأثرت بالسلفية الوهابية والتاريخية، إلا أن تزامن ظهورها مع الاحتكاك بالغرب، عقب بدء المرحلة الاستعمارية التي اجتاحت العالمين العربي والإسلامي، بدّل من توجهاتها واجتهاداتها، وأصبحت إشكالية “التقدم والتأخر” شغلها الشاغل.

   على الرغم من الاختلاف حول نسبة كلٍّ من جمال الدين الأفغاني(1838-1897م)، والشيخ محمد عبده (1849-1905م) إلى مصطلح السلفية الإصلاحية، نظراً لاختلاف طرحهما للعقيدة الدينية، عن السلفيين عموماً. إلا أنّ تلميذهما محمد رشيد رضا (1865-1935م) كان أقرب من حيث المنهج العقائدي للسلفية التاريخية، في بداية حياته، وانحاز للسلفية الوهابية في مرحلة ثانية.

    وتبرز السلفية الإصلاحية في سياق الاستجابة للتحدي الغربي الحديث للعالم الإسلامي. إذ كانت تسعى إلى إصلاح الواقع الإسلامي المتخلف، والعناية بمشكلة النهضة والتقدم وتحقيقهما أكثر من اشتغالها بمشكلة الهوية الإسلامية، التي تهددها الحداثة الغربية الحديثة، ولعل الاختلاف الجوهري يتلخص بكونها تتسم بنـزعة عقلانية بارزة، مع الإقرار بغلبة سلفية ذات نزعة تسييسية تعبوية للأفغاني بهدف جمع الناس حول برنامجه الإصلاحي.

    ولم يكن الشيخ محمد رشيد رضا بعيداً عن النـزعة العقلية، قبل رجوعه إلى السلفية التاريخية، ونسختها الوهابية على وجه الخصوص.

    ونادت السلفية الإصلاحية التي شُغلت بنهضة الأمة بضرورة الاقتباس من الغرب من حيث الصناعات والعلوم المفيدة باعتبارها أصيلة في الإسلام، ولحاجة الأمة لها لمواجهة التحديات الأوروبية، ولم تكتف بإصلاح العقيدة الدينية، أو توحيد الداخل على آراء محدودة في الاعتقاد والعبادات ومحاربة البدع، كما فعلت سلفيات أخرى، بل اندفعت بحماس في معالجة شؤون المسلمين السياسية والاجتماعية المتدهورة.   

 

    السلفية الوطنية: تزاوج الهم الإصلاحي والتحرري (السياسي)

 

     رابعا- السلفية الوطنية، وهي تُعبِّر عن تلك الحركات الدينية التي كان محور حركتها مقاومة الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين والتصدي له، وذلك من منطلق التزامها بمفهوم الجهاد الإسلامي ومشروعيته لصد العدوان والاحتلال، والسعي لإقامة دولة إسلامية وطنية عقب أفول الاستعمار وتحقيق الاستقلال. وقد تركزت بصورة أساسية في دول المغرب العربي، ومن أبرز رموزها عبد الحميد بن باديس (1889-1940م)، وعلال الفاسي (1910-1974م)، والشيخ أبي شعيب الدكالي (1878-1937م) وشيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي بالمغرب (1880[p12] - 1964 م).

   جمعت السلفية الوطنية بين الهم النهضوي والإصلاحي وبين القضية الوطنية التحررية. وكان لشيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي الأثر البارز في تبلور اتجاه السلفية الوطنية في المغرب، فلم يكتف بمحاربة الطريقة الصوفية الموالية لسلطات الحماية، بل عمد إلى مقاومة الحماية الفرنسية مباشرة بالتشهير بسياستها، واستنهاض الهمم للوقوف في وجهها، علاوة على التحاقه بصفوف الثوار في الريف، ومواصلته مناصرة القضية الوطنية التحررية، على الرغم من المضايقات التعسفية التي تعرض لها.

    وهكذا تحولت السلفية في المغرب على يد بن العربي العلوي من سلفية تاريخية تقليدية، وهابية الطابع، تبناها المخزن (نظام الحكم في المغرب) كأيديولوجية دينية في مقاومته لتمردات الطرقيين وثوراتهم إلى سلفية وطنية مناضلة كونت الجيل الأول من رجال الحركة الوطنية المغربية، وقدمت لهم الأساس الفكري العربي الإسلامي لتطلعاتهم النهضوية التحديثية ومواقفهم السياسية النضالية.

 

   السلفية الحركية: الجمع بين الدعوة السلفية والطابع التنظيمي

   خامسا، السلفية الحركية، وقد خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الإمام حسن البنا (1906-1948م)، في ظروف تتسم بالتأزم الثقافي والسياسي للحركة الإصلاحية الإسلامية، التي لم تنجح في تجاوز الفكر الإسلامي التقليدي، ولا في تطوير بدائل ملائمة للمستجدات.

    حركة الإخوان المسلمين جاءت بمثابة رد فعل على أزمة الوعي لدى فعاليات النهضة الإصلاحية، وكانت الجماعة في بدايتها حركة إحيائية عنيت بالمسائل الشعائرية التعبدية، وقضايا الهوية، والقضايا الأخلاقية، ولم تعتنِ في عقدها الأول بالمسائل السياسية والاجتماعية والوطنية الكبرى، فقد تميزت الجماعة عن الحركة الإصلاحية بأنها جماهيرية وليست نخبوية.

     ولعل الأثر الأكبر في تحول الرؤية الإصلاحية للإخوان جاءت من طرف سيد قطب (على الرغم من عدم اعتباره لدى باحثي الفكر المعاصر من التيار السلفي، إلاّ أنّه بمثابة الأب الروحي للسلفية الجهادية، وتحديداً في بعدها السياسي)، الذي دشن سلفية حركية صريحة تقوم على نقد أسس الدولة في البلدان الإسلامية، بل والعالم أجمع، وذلك من أجل إقامة دولة إسلامية تكون فيها الحاكمية لله وحده، وقد عرض سيد قطب أفكاره في كتاب “معالم في الطريق”، مما مهّد لولادة السلفية الجهادية.

 

   السلفية الجهادية: التحول نحو المواجهة مع النظم الحاكمة

    سادسا: السلفية الجهادية، ويعتبر سيد قطب (1906-1966م)  المؤسس الحقيقي للجماعات السلفية الجهادية المعاصرة. فقد شكلت أفكاره قطيعة معرفية مع الفكر الإصلاحي الإسلامي، كما أن كتابه “معالم في الطريق” هو الدستور والبيان الذي تعتمد عليه هذه الحركات الجهادية مجمل أطروحاتها[p13] ، المتعلقة بالرؤية، ومنهج الحركة، وآلية التغيير والعمل، فضلاً عن الأطروحة المؤسسة للطبيعة الصدامية، وطنياً ودولياً، بناءً على مفهومين تأسيسيين هما “الحاكمية” و”الجاهلية”.

    ظهرت أولى الحركات السلفية الجهادية الحديثة عام 1973، فقد أنشأ الدكتور صالح[p14]  سرية تنظيماً عرف فيما بعد بتنظيم “الفنية العسكرية”، وحاول التنظيم القيام بمحاولة الاستيلاء على الحكم عام 1974، ويعتبر سرية أول من بلور رؤية شاملة للعمل في كتابه “رسالة الإيمان”، ومن أشهر التنظيمات التي تنتمي الى السلفية الجهادية، “تنظيم الجهاد” ومن أبرز قادته محمد عبد السلام فرج، صاحب كتاب “الفريضة الغائبة”، الذي مزج فيه بين السلفية التاريخية والوهابية والحركية.

   وقد ساهم الجهاد الأفغاني في إمداد السلفية الجهادية بطاقة فائقة أسفرت عن نشوء عشرات الحركات السلفية الجهادية في العالمين العربي والإسلامي عقب انسحاب الاتحاد السوفيتي ثم انهياره وتفكك المنظومة الاشتراكية ، تبلورت لاحقا بتأسيس تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري الذي عمل على عولمة السلفية الجهادية. إذ برز عدد من الشيوخ والمنظرين أمثال: عبدالله عزام، وأبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وأبو يحيى الليبي، وغيرهم.

  

  السلفية المحافظة: المزاوجة بين السلفية التاريخية والوهابية 

  سابعاً- السلفية المحافظة، ويطلق عليها البعض العلمية، وآخرون المدرسية، والتقليدية. وقد بدأت سوقها بالنمو منذ بدايات السبعينات بصورة كبيرة. وذلك انعكاساً للثورة النفطية وازدياد الدور السعودي في نشر الدعوة السلفية الوهابية، إبان فترة الحرب الباردة والصدام بين المعسكرين الغربي والشيوعي.

   خلال تلك الفترة. ازدهرت المؤسسات الدينية والدعوية والخيرية التي أسستها السعودية لمواجهة الدعوات اليسارية الانقلابية في العالم العربي، التي كانت تهدد الأنظمة المحافظة، مما نشّط المؤسسة الدينية الرسمية ، ومنحها سلطة واسعة، بالتحالف مع الدولة.

   النشاط السعودي انعكس على دول عديدة منها الأردن. ساهم في صعود هذه المدرسة، التي تجمع بين السلفية التاريخية بتركيزها على الهوية العقائدية من جهة، والسلفية الوهابية بمواجهتها الانحرافات الدينية والسلوكية من جهة أخرى، مع طابع جديد وهو التحالف مع الحكومات العربية المحافظة، ومنحها صكوك الشرعية.

   في السعودية، كان الوجه الأبرز للسلفية المحافظة هي هيئة كبار العلماء، التي تمثل المؤسسة الدينية الرسمية. ومثّلت شخصيات مثل ابن باز وابن العثيمين، أباءً روحيين للسلفية التقليدية، بينم ظهر الألباني المؤسس الفعلي للسلفية المحافظة في الأردن.

     إذن، تقع السلفية المحافظة الأردنية. ضمن الصيغة الأخيرة للسلفيات، وتتخذ سمات هجينة بين العقيدة السلفية التاريخية بالتركيز على الجانب العقائدي- الديني، ودعوى تمثيل أهل الحديث، ورمزية أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والأبوة الروحية لناصر الدين الألباني من جهة، وبين السلفية الوهابية، من جهة أخرى، وتركيزها على محاربة “البدع” والانحرافات السلوكية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-2-

ناصر الدين الألباني

“الأب المؤسس” للسلفية المحافظة (في الأردن) 

   انطبع مسار السلفية المحافظة في الأردن بسيرة الشيخ المؤسس لها محمد ناصر الدين الألباني (1914-1999[p15] )، فقد تقلّب الشيخ الألباني في أطوار تاريخية طويلة ومسيرة شاقة تمخضت عن تتويجه كأحد أبرز شيوخ السلفية في العالم العربي خصوصًا، والعالم الإسلامي عمومًا.

   تتبع المسارات والمحطات الأساسية في حياته يسمح بالتعرف على الظروف والشروط الموضوعية التي أفضت به إلى تأسيس سلفية تقليدية متصالحة مع الدولة والأنظمة السياسية، ومسكونة بالصدام مع المجتمع والإسلاميين، وتتوافر على صلابة أيديولوجية.

   هاجر الألباني مع عائلته عام 1922 من ألبانيا، واستقر في دمشق عقب تولي أحمد زاغو الذي سار بألبانيا على خطى أتاتورك متبعًا نهجًا تحديثيًا علمانيًا، عقب سقوط دولة الخلافة العثمانية.

    ونشأ الألباني في ظل الحقبة الاستعمارية التي خضع لها العالم الإسلامي، إذ كانت سورية تحت الإنتداب الفرنسي منذ عام 1920م. ونشأ في أسرة فقيرة محافظة دينيًا، تلتزم بالمذهب الحنفي[9]. وبدأت رؤيته السلفية بالتبلور من خلال اطلاعه على مجلة المنار، التي كان يصدرها السيد رشيد رضا (1865-1935)[10].

    بدأ اهتمامه بدراسة الحديث النبوي مبكرًا، وتعلم تعليمًا موازيًا بعيدًا عن المدارس النِّظامية، التي كانت تخضع للسياسة الاستعمارية. ولعبت المتغيرات السياسية والاجتماعية دورًا هامًا في مسارات تشكُل الألباني، بالإضافة إلى الدوافع الذاتية والحوافز الدنيوية.

   انتماؤه العرقي من أصل ألباني، لا يتوافر على نسب يتمتع بالحصانة والقداسة التي تؤهله للترقي في لعبة الجاه والسلطة، كما أنه ينتمي إلى طبقةٍ دنيا مهمشة، ولعل هذا المزيج كان دافعًا للألباني بأن يعمل في مسار مختلف يساعد على كسر الأطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، عن طريق التوسل بالمكانة الرمزية للنفاذ إلى العالم المرئي المادي.

    كرَّس أغلب وقته للعناية بعلم الحديث، وشارك في النشاط الثقافي الذي ازدهر إبان الانتداب الفرنسي من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية، والتصدي لعمليات التغريب الثقافي الذي مارسته السياسة الاستعمارية الفرنسية[11]، وظهرت مجلَّات عديدة في الوقت نفسه، وكانت مجلة “التمدن الإسلامي” (عن جمعية التمدن الإسلامي بدمشق)، أهم المجلات التي تعامل معها الألباني، فنشر فيها عددًا من التحقيقات الخاصة بعلم الحديث[12].

    في الأثناء في ثلاثينيات القرن العشرين ، شهدت سورية، ، تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، من خلال جمعيّتها التي أنشئت عام 1939[13]. وقد كان للإخوان عدد من الجمعيات في سائر أنحاء سورية، وتحولت جمعية “شباب محمد” (في مؤتمرها الخامس عام 1944) إلى مؤتمر تأسيسي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية ولبنان[14].

    ارتبط الألباني بعلاقة وثيقة مع الإخوان المسلمين، إلا أنه لم ينتم رسميًا إلى الجماعة، وكان مقربًا من الجناح السلفي من الإخوان الدمشقيين بزعامة مصطفى السباعي، ثم عصام العطار وزهير الشاويش، ودخل في سجالات عديدة مع “الجناح الأشعري الصوفي” لإخوان حلب بزعامة عبد الفتاح أبو غدة، وحماة بزعامة سعيد حوى[15].

    وفي تلك المرحلة أصبح الألباني أحد أبرز الرُّموز السلفية عالميًّا، وكان يعمل على بلورة رؤيته للتغيير بشكل أكثر وضوحًا. وعقب سيطرة البعث على الحكم في سورية تعرَّض للاعتقال والسجن مرتين، بسبب وشايات حول عدم تأييده للحكم القائم، بدعوى أنّه لا يحكم بالإسلام.[16]

     ومن جملة التهم التي وجهت إليه أنه يقوم بـ”دعوة وهابية” تشوّش على المسلمين، ومع بروز توجهه السلفي دُعي إلى التدريس في السعودية، بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عند تأسيسها. واختير عضوًا للمجلس الأعلى للجامعة، وقبيل وفاته عام 1999 منحته السعودية جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية، بسبب جهوده الدعوية السلفية ومساهماته العلمية في الحديث النبوي.

    بدأت رؤية الألباني للسلفية المحافظة تتبلور بشكلٍ واضح بعد فشل السياسات التي اتبعتها الجماعات السلفية المختلفة في العالم الإسلامي، فقد آلت السلفية الإصلاحية إلى الضمور بعد وفاة الأفغاني وعبده ورضا، أما السلفية الوطنية في المغرب فقد فقدت بريقها عقب الاستقلال وذهاب الاستعمار المباشر وغياب شخصيات كارزمية وعلمية، أمثال علال الفاسي ومالك بن نبي.

    وفي السعودية تحوّلت السلفية الوهابية إلى هيئات ومؤسسات ضعيفة داخل الدولة، وفي نفس الوقت الذي شهد فيه العالم العربي صعودًا للتيار القومي واليساري، وهيمنته على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانحسار الفكر الإصلاحي الإسلامي، وقد ظهرت تيارات إسلامية أكثر راديكالية وثورية، تبنت خطابًا سلفيًّا جهاديًّا بعد أن فشلت الدولة القومية في تحقيق الاستقلال التام، وتحقيق التقدم والازدهار.

   وامتازت نهاية السبعينيات في العالم الإسلامي بظهور الحركات الإسلامية السلفية الجهادية، فقد ظهرت في مصر جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، وفي سورية ظهرت الطليعة المقاتلة للإخوان، وفي أفغانستان كان الجهاد الأفغاني قد دخل مرحلة الاستقطاب العالمي، وفي السعودية ظهرت حركة جهيمان في العام 1981، وكان الألباني قد اتهم بأنه المنظِّر الرئيس لهذه الحركة، ومُنع إِثرها من دخول السعودية[17].

    استقرت الرؤية السلفية المحافظة للألباني عقب إقامته في الأردن بداية الثمانينات، إذ التف حوله عدد من الشباب، يعرّفون أنفسهم بـ”طلبة العلم الشرعي”، ليشكلوا اتجاهًا سلفيًّا يتوافر على رؤية تقليدية خاصة في العمل الإسلامي.

     وبرز من طلابه محمد إبراهيم شقرة، وعلي الحلبي، وسليم الهلالي، ومحمد موسى نصر، ومشهور سلمان، كممثلين لهذا الاتجاه، وقاموا بإصدار مجلة حملت اسم “الأصالة”. ثم أنشأوا “مركز الإمام الألباني”، في مدينة عمان، وبدأ خطاب السلفية المحافظة أكثر وضوحًا وتمايزًا عن السلفيات الأخرى؛ سواء كانت السلفية الإصلاحية، أو الوطنية، أو الحركية، أو الجهادية، وغيرها.  

    بدأ الألباني يطور مقولة سوف تصبح شعاراً لدعوته وهي “التصفية والتربية”، وهي ترجمة عملية للسلفية المحافظة التي بشر بها في دروسه، التي كان يلقيها في جولاته في مختلف مدن ومحافظات سورية، بالإضافة إلى الدروس التي كان يُدعى لإلقائها في الأردن عن طريق الإخوان المسلمين، وخصوصاً شعبة الزرقاء، التي كانت أقرب إلى الاتجاه السلفي وكان من أعضائها الشيخ عبد الله عزام، وذيب أنيس، وكان يحضرها عدد من الأساتذة في الأردن، أمثال: الدكتور أحمد نوفل والأستاذ محمد إبراهيم شقرة وغيرهم .

   وعلى الرغم من إشتغاله بالكتابة والتأليف والدعوة، إلا أنه بقي يعمل في دكان له في مهنة تصليح الساعات التي أخذها عن والده لتوفير قوته، ثم تفرغ بعدها للعمل مع المكتب الإسلامي، لصاحبه زهير الشاويش. وتمكن في هذه الفترة من إخراج عدد كبير من مؤلفاته وفي مقدمتها “إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل”[18]

    أمضى في عمّان قرابة عقدين (منذ بداية الثمانينات إلى نهاية التسعينات) اشتغل فيها بتأليف الكتب وتحقيق التراث الإسلامي، وتحديداً المتعلّق بالحديث النبوي، وفي إلقاء الدروس في منزله (لمنعه من التدريس في المساجد)، وعلى الرغم من ذلك فإنّ عدد أتباعه وطلابة كان يزداد بصورة مطّردة، حيث بلغوا في فترة التسعينات مرحلة أصبحوا ينافسون الحركة الإسلامية الكبرى، جماعة الإخوان المسلمين، في المساجد والتجمعات العامة، وفي التدريس والنشاطات الخيرية والتطوعية والدينية.

    توفي في مدينة عمان سنة 1999، بعد أن أسس لسلفية محافظة في الأردن. وعقب وفاته شهدت السلفية المحافظة خلافات وانقسامات أبرزها الخلاف على خلافة الألباني، وما تزال هذه الخلافات قائمة تتخذ أحياناً طابعاً فقهياً، وأخرى عقائدياً، وكذلك مالياً.

  

 

 

 

-3-

مراحل التطوّر والصعود:

مسار مسكون بالهدنة مع الدولة، والاشتباك مع الإسلاميين

 

   تعتبر السلفية المحافظة في الأردن حديثة النشأة نسبيا، فقد ظهرت بشكل واضح في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، عقب إستقرار الشيخ المؤسس ناصر الدين الألباني، وكان قد سبقها في التواجد والحضور عدد من الحركات والجماعات الإسلامية.

     ومن المؤكد بأن الأردن لم يشهد خلال مرحلة تأسيس الإمارة عام 1921 حركات وجماعات إسلاميّة واضحة المعالم والتصورات، وكان الإسلام السائد ذا طبيعة صوفية وشعبية؛ فقد جاءت معظم الحركات الإسلامية إلى الأردن من العالمين العربي والإسلامي، كفروعٍ للجماعات في الخارج عقب أفول الحقبة الاستعمارية. إذ شهدت مرحلة الاستقلال عام 1946 بداية التشكُّل والتأسيس  وسط أجواءٍ من التسامح والتّرحيب من قِبَل مؤسس الدّولة الملك عبد الله الأول، عندما أُعلن عن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كأحد فروع الجماعة الأم، التي أسسها الشيخ حسن البنا في مصر عام 1928 من العام نفسه.

    شكّل عام 1948م مرحلة فارقة في تكوين الأردن المعاصر، وذلك عقب حرب 1948، التي أسفرت عن قيام دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. مما فرض واقعًا جديدًا أفضى إلى قيام الوحدة بين الضفتين عام 1949- 1950، وفي المحصلة كانت النتيجة تغيراتٍ ديمغرافيةٍ جوهريةٍ فرضت واقعًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا جديدًا ومعقدًا، أدَّى إلى إدخال إصلاحاتٍ سياسيةٍ على النّظام، تبلور عنه دستور جديد للبلاد عام 1952، وهو العام الذي تم فيه تأسيس حزب التحرير الإسلامي في القدس، على يد الشيخ تقي الدين النبهاني، وفي عام 1964 تأسست جماعة الدعوة والتّبليغ كفرعٍ للجماعة التي أسسها الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي في شبه القارة الهندية عام 1924.

     ثم فرضت حرب عام 1967على الأردن واقعًا جديدًا أثّر على مجمل الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والدينية. وذلك عقب احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وتعتبر هذه المرحلة فاصلةً في تاريخ الإسلام الدعوي والسياسي والجهادي. فقد اعتُبرت هزيمة حزيران 1967 هزيمةً منكرةً للأيديولوجيات القومية واليسارية والوطنية، وفي هذا السياق برزت السلفية بمختلف توجهاتها وأطيافها في العالم الإسلامي[19].

      في الأردن، فقدت الفصائل الفلسطينيّة القومية واليسارية هيمنتها نسبيًّا عقب صدامها مع النظام عام 1970، الذي أسفر عن خروجها من الأردن ولجوئها إلى لبنان، وهي المرحلة التي شهدت ولادة السَّلفية التَّقليدية، التي تعزَّزت عقب لجوء الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني إلى الأردن، واستقراره فيها عام 1980، إلا أن ذلك لا ينفي وجود بعض النزعات السلفية بالمعنى العام منذ تأسيس الإمارة.

      جذور السلفية، في الأردن، بدأت عن طريق جماعة الأخوان المسلمين، من خلال جناحها المتشدد، فقد توافرت الجماعة منذ تأسيسها على اتجاهين رئيسيين: الأول: براغماتي، التزم بخط الإمام حسن البنا وحدد أصوله حسن الهضيبي في كتابه “دعاة لا قضاه”، والثاني: متشدد، التزم بخط الأستاذ سيد قطب، الذي وضع معالمه في كتابه “معالم في الطريق”. وقد ساهم في بلورة هذا الاتجاه دراسة عدد من أتباعه في السعودية، بحيث تمكنوا من الإطلاع على السلفية بنسختها الوهابية[20].

       يعتبر الشيخ محمد إبراهيم شقرة من أوائل السلفيين في الأردن، فقد كان منتظما في صفوف الإخوان، قبل أن يتخذ مسارا مستقلا عقب ذهابه إلى السعودية للدراسة في الجامعة الإسلامية في بداية الستينيات. وبحسب الشيخ شقرة كان الشيخ عبد الرحيم سعيد من أوائل السلفيين، وهو والد الدكتور همام سعيد المراقب العام الحالي لجماعة الإخوان في الأردن.

     شهدت حقبة السبعينيات من القرن الماضي تنامياً مطرداً للاتجاه “السلفي القطبي” (يجمع بين عقيدته السلفية دينياً وإيمانه بأفكار سيد قطب سياسياً) في جماعة الإخوان. ثم كان لتجربة معسكرات الشيوخ أثر بالغ في تكوين اتجاه سلفي حركي واضح المعالم. وتعتبر تجربة معسكرات الشيوخ أوّل محاولة من قِبَل الإخوان في الأردن، للخروج عن منهج الجماعة الإصلاحي، إذ دخلت الجماعة ميدان الجهاد تحت تأثير هزيمة عام 1967، وبضغطٍ من التيار المتشدد. وقامت الجماعة بين عاميّ 1968- 1970 بإنشاء مابين أربعة إلى سبعة قواعد عسكريّة شارك فيها مئاتٌ من الإخوان العرب، إلى أن وقعت أحداث أيلول (الصدام بين الجيش والمنظمات الفلسطينية) فقرر الإخوان إغلاق المعسكرات، تأكيداً على خيار الحياد في تلك المرحلة.

     لم تكُن السلفية المحافظة قد تبلورت لدى الألباني بشكل صريح خلال حقبة السبعينيات. وكانت العلاقات بين الشيخ الألباني وجماعة الأخوان جيدة، فقد كان أثناء وجوده في سورية مقرباً من الاتجاه السلفي الدمشقي داخل الإخوان، وكانت معظم دروسه تتم عن طريقهم، ومن هنا دخل إلى الأردن عبر البوابة الإخوانية؛ حين بدأ القيام بزيارات شهرية إلى الأردن بدعوة من التيار السلفي القطبي في جماعة الإخوان، وخصوصا شعبة الزرقاء بقيادة ذيب أنيس، لإلقاء الدروس والمحاضرات وكان يحضر دروسه عدد من قادة الإخوان المعروفين: عبدالله عزام، أحمد نوفل، عبدالله القريوتي، فيصل الجوابرة، يوسف البرقاوي، عبد الرؤوف العبوشي، وغيرهم .

    تجاوزت تجليّات “السلفية الحركية القطبية” في صفوف الإخوان في السبعينيات الأطر التقليدية لها، فظهر إلى الوجود في الأردن أول تنظيم يستند إلى فكر سيد قطب، ومثّل أول عمليّة انشقاقٍ صريحةٍ في صفوف الإخوان المسلمين، وقام بتأسيسه الشيخ محمد رأفت سعيد صالح عام 1973م، وذلك عقب عودته من الدراسة في الجامعة الإسلاميّة في السعودية عام 1972. وكان الشيخ محمد رأفت أحد أعضاء مجلس شورى الإخوان، وقد تبنّى مجمل الأفكار الراديكالية لسيد قطب، مما أدّى إلى خلاف مع التّيار البراغماتي في جماعة الإخوان.

     وعندما يئِس رأفت من تحويل مسار الجماعة عمل على تأسيس طليعة البعث الإسلامي، وخرج معه عددٌ من الذين كانوا على قناعةٍ بأفكار سيد قطب، وبدأ محمد رأفت الدعوة إلى جماعته، واعتمد منهج سيد قطب في الإعداد والتجنيد، وتبنَّى تصوُّراً انقلابيًّا يقوم على مبدأ الحاكميّة، ويسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية عن طريق القوّة الجهاديّة.

    لم تستمر تجربة تنظيم طليعة البعث الإسلامي فقد تراجع رأفت عن مجمل أفكاره، وعمل على حلّ التّنظيم بعد فترةٍ وجيزةٍ. عقب مناظراتٍ مع الشّيخ محمد ناصر الدين الألباني، إذ يقول رأفت نفسه “ولولا الله تعالى أن تداركنا بلطفه وفضله ويسّر لنا الأستاذ الألباني، لحدث أن تأصّلت فكرة الغلاة من الخوارج في العصر الحاضر، ولما اندثرت فكرة تكثير المسلمين، وأصبح رأفت بعدها قريبًا من التَّيّار السلفي التّقليدي بزعامة الشيخ الألباني. وقد خاض الانتخابات النّيابية التي أجريت عام 1997، وتمكن من الفوز بأحد مقاعد محافظة البلقاء (عن مخيم البقعة للاجئين)[21].

  

   فصول العلاقة مع “الإخوان” المواجهة الفكرية والحركية

    ويبدو أن قادة جماعة الأخوان المسلمين بدأوا يرتابون من دعوة الألباني في منتصف السبعينيات. عندما باشروا بإصدار نشرات داخلية تحذر من مجالسته وحضور محاضراته ودروسه، وأخذوا بمهاجمته في دروسهم وخطبهم وخصوصا الدكتور محمد أبوفارس، وعبدالله عزام. خشية من استقطاب الألباني لأعضاء الإخوان، وهو ما حدث فعلا لاحقا، إذ بدأت إرهاصات تبلور سلفية تقليدية في الأردن وخصوصا عقب استقرار الألباني في الأردن عام 1980[22].

    وقد تعرض الألباني لمحاولة إبعاد من الأردن بضغط من جماعة الإخوان عام 1982. بعد أن بدأ باستقطاب مجموعة من الشباب في دروسه، إلا أن وساطة الشيخ محمد إبراهيم شقرة، الذي كان مقربا من دوائر القرار، كانت حاسمة في بقائه، بشرط عدم إلقاء دروس ومحاضرات عامة، وقد التزم الألباني بذلك حتى وفاته.

     بدأت في بداية الثمانينيات تتشكل نواة صلبة من السلفية المحافظة، إذ تحلقت حول الشيخ الألباني مجموعة من الشباب الجدد، من أبرزهم عبد الفتاح عمر، مروان القيسي، علي الحلبي، وفيق النداف، سليم الهلالي، مراد شكري، شاكر العاروري، أحمد الكويتي، حسين العوايشة، وأبو ليلى محمد أحمد، (الذي كان ملازما للألباني وقام بتسجيل كافة دروسه ومحاضراته وفتاواه)، وانضم لاحقا عمر محمود أبو عمر (أبو قتادة الفلسطيني، الذي تحوّل لاحقاً، وأصبح أحد أبرز منظّري السلفية الجهادية في العالم)، ومشهور حسن سلمان، وغيرهم[23].

      مع ذلك كانت السلفية لا تزال محدودة الإنتشار. فقد كانت الجماعات الإسلامية الأخرى أكثر انتشارا وتنظيما، وخصوصا الإخوان المسلمون، الذين كانوا يتمتعون بعلاقة ودية مع النظام في تلك الفترة.

    لم تكن السلفية المحافظة تطرح نفسها كجماعة وتتبنى في منهجها القول بحرمة وبدعية تأسيس تنظيمات وجماعات وأحزاب وحتى الجمعيات. فقد اعتبرت نفسها تياراً يمثل الإسلام ذاته يقوم على أساس نظرية “التصفية والتربية” لإحداث التغيير.

    انشغل السلفيون بالتصدي للجماعات الإسلامية المختلفة، وكان نصيب الإخوان وافراً في الرد والنقض والتبديع والتضليل. وقد هيمن على النقاش السائد في هذه الحقبة، سؤال مشروعية الجماعة الممثلة للإسلام، إذ كانت جميع الجماعات الإسلامية تسعى إلى تثبيت نفسها كممثل شرعي وحيد، وتسعى إلى احتكار كونها “الفرقة الناجية” و”الطائفة المنصورة”، ويبدو أن السلفية التقليدية بدأت تتبلور بشكلٍ واضح في هذه المرحلة، وأخذت بالتمدد والانتشار في مناطق مختلفة.

     كان معظم أتباع السلفية وأنصارها من الطبقة العاملة والفقيرة المُهمّشة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وينتمي أغلبهم إلى أصول فلسطينية، إذ تركز انتشارها في المخيمات الفلسطينية البائسة، وعلى هوامش المدن، وخصوصا مدينة الزرقاء، وهي لا تزال المخزن الرئيسي للسلفية.

     وبسبب الطبيعة الإيديولوجية المتصلبة تتعرض السلفية للانقسام المتواصل؛ إذ نشهد على الدوام خروج أعضاء من إطاراتها ودخول آخرين في سلسلة انشقاقات لا تنتهي، إلا أنها حافظت على تماسكها النسبي مع وجود الشيخ المؤسس الألباني، والذي كان مرجعا تنتهي عنده أغلب الخلافات العقدية والفقهية والتنظيمية.

     عصفت حرب الخليج الثانية عام 1991، عقب دخول العراق إلى الكويت بالأطروحة الأساسية للسلفية بكافة توجهاتها النظرية والعملية، وساهمت التحولات في بنية النظام الدولي بعد انسحاب الإتحاد السوفييتي من أفغانستان، ثم انهياره وتفكك المنظومة الاشتراكية وعودة الأفغان العرب إلى بلدانهم الأصلية. وبروز نظام دولي بقيادة الولايات المتحدة وحلول عصر العولمة، في حدوث تحولات بنيوية عميقة على التيار السلفي. أدى إلى جملةٍ من عمليات الفرز والاستقطاب تبلورت عن سلفياتٍ متعددةٍ في المعقل التاريخي للسلفية الوهابية في السعودية، ألقت بظلال كثيفة على مجمل السلفيات في العالم العربي عموماً والأردن على وجه الخصوص[24].

       على الرغم من تشتت السلفية في معقلها الرئيسي في السعودية، إلا أن السلفية التقليدية الأردنية بزعامة الشيخ الألباني، احتفظت باستقلالها النسبي، فالموقف الصلب للألباني ومكانته العلمية حافظ على تماسك الجماعة، وكشفت الأحداث عن صعوبة توظيفه سياسيا؛ ففد أفتى بوجوب جهاد الأميركيين، في حرب الخليج (آنذاك) وعدم جواز الاستعانة بقوات أجنبية لإخراج العراق من الكويت[25].

      وظهرت استقلالية الألباني مرات عديدة بعد ذلك، ودللت على صعوبة توظيف فتاواه سياسياً. ولعل الفتوى الأكثر شهرة هي فتواه بوجوب هجرة أهل فلسطين، بصرف النظر عن أطروحات السياسة الرسمية في موقفها الثابت من مسألة “الوطن البديل”، وهي الفتوى التي جلبت عليه ردوداً واسعة ساخطة في العالم الإسلامي، وقد حاول تكييفها أكثر من مرة[26].

  

   حرب الخليج الثانية: إيذانٌ ببروز السلفيات المتضاربة 

    أسفرت مخاضات حرب الخليج الثانية عن تشكّل السلفيات في الأردن، بعودة أكثر من 300 ألف مواطن أردني من دول الخليج العربي وخصوصا الكويت، الذين جلبوا معهم “سلفيات هجينة”، لم تكن راسخة في المجتمع الأردني.

     فقد ظهرت محاولة تأسيس أول جماعة سلفية إصلاحية أثناء حرب الخليج عن طريق عدد من الشباب بقيادة عمر محمود أبو عمر (أبو قتادة الفلسطيني)، باسم “حركة أهل السنة والجماعة”. وأصدرت نشرة خاصة حملت اسم “المنار”، وهي تسمية ذات دلالة بالغة إذ تشير إلى أشهر مجلة سلفية إصلاحية في العالم الإسلامي، أسسها الشيخ محمد رشيد رضا (واستمرت في الصدور بين عامي 1899- 1935).

    تلك التجربة لم تدم طويلاً، فقد قرر أبو قتادة السفر إلى الخارج، فذهب إلى ماليزيا، وهناك بدأت خياراته الإيديولوجية الجديدة بالتبلور، وحسم مواقفه بالتوجه إلى بيشاور الباكستانية. واستقر بعدها في لندن، في تلك الأثناء كانت السلفية الجهادية الأردنية بصدد الإعلان عن نفسها عن طريق عدد من الجماعات والمجاميع؛ كجيش محمد والأفغان العرب، ثم بيعة الإمام، وكان لعصام البرقاوي، الشهير بأبي محمد المقدسي، دورا تأسيسا في بلورة هذا الاتجاه، وقد استقر في الأردن بعد حرب الخليج قادماً من الكويت.

     شهد عام 1993، محاولة إحياء “السلفية الإصلاحية”، عن طريق تأسيس جمعية “الكتاب والسنة”  التي حاولت التمايز عن السلفية المحافظة والجهادية. وتمكنت من استقطاب مجموعة من الشباب، وأصدرت مجلة حملت اسم “القبلة”.

     إلا أن الجمعية تعرضت للتضييق والمحاصرة من طرف الدولة والسلفية المحافظة، فقد اختلطت هويتها الإصلاحية بالجهادية والمحافظة والحركية، وأدت التجارب المريرة إلى انسحابات عديدة في صفوف أعضائها، وحسم خياراتهم باتجاهات سلفية أخرى، وعلى الرغم من صمودها واستمرارها حتى الآن؛ إلا أن دورها ضعف في الآونة الأخيرة.

    ومن السلفيات التي ظهرت عقب حرب الخليج الثانية، “السلفية الحركية”، وقد ساهم القادمون من الخليج وخصوصا الكويت في بلورتها بصورة واضحة، وضمت عدد من الأساتذة والمشايخ أمثال الدكتور محمد أبو ارحيم، الدكتور خالد الحايك، أبو قتيبة محمد عبد العزيز، إحسان عايش، وأبو طلحة جمال الباشا، وغيرهم. وتركز الجدال والسّجال في هذه الحقبة حول جملة من المسائل والقضايا التي أثارتها حرب الخليج، ومن أهمها: العمل الجماعي والتنظيمي ومشروعيته، ماهية الإيمان والإسلام والكفر، الحاكمية، طاعة أولياء الأمور، وقضية الجهاد[27].

     وشكل الإنتماء إلى سيد قطب وأتباعه وأفكاره نقطة ارتكاز في تمايز السلفيات المختلفة؛ إذ ظهرت عشرات الكتب والرسائل والردود، التي تتناول هذه المسائل بين أتباع السلفيات المختلفة في العالم العربي وخصوصا السعودية والأردن.

     مع ذلك بقيت السلفية المحافظة تحتفظ بتماسكها النسبي في حياة الشيخ الألباني، إلا أن وفاته عام 1999، كشفت عن فرز واضح واستقطاب ظاهر، وباتت السلفيات المتعددة حقيقة واقعة.

  

    ما بعد الألباني: تعزيز العلاقة مع الدولة في مواجهة الإسلاميين الآخرين

   كان عام 2001 حاسما في مأسسة السلفية المحافظة من خلال تأسيس “مركز الإمام الألباني”، الذي قام بإنشائه كل من: سليم الهلالي، علي الحلبي، مشهور حسن سلمان، محمد موسى نصر، وحسين العوايشة.

    ساهمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في التقريب بين “خلفاء الألباني” والمؤسسات الرسمية في الدولة، وتحديداً الأمنية التي تشرف على ملف الحركات الإسلامية.

     عزز من ذلك التقارب سياسات الدولة خلال فترة “الحرب على الإرهاب”، وتوسّلت الدولة بالمحافظين- التقليديين لمحاربة السلفية الجهادية، والتصدي للسلفية الحركية، وجماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.

     واستقطب مركز الألباني، لاحقاً، عدداً من الأعضاء أمثال: د. عاصم القريوتي، د. باسم الجوابرة، أكرم زيادة، زياد العبادي، ومن السلفيين المحافظين المصريين المقيمين في الأردن أمثال: أبو إسلام صالح طه، وأبو اليسر أحمد الخشاب.

    وحظيت السلفية المحافظة بدعم واحتضان لا سابق لهما. إذ باتت تتوافر على حضور كبير في الأعلام المرئي، وظهرت العديد من القنوات الفضائية في هذا الاتجاه أمثال قنوات: الأثر، ولناس، الرحمة، وغيرها، وظهرت آلاف المواقع والمنتديات على شبكة الإنترنت والفضاء الإلكتروني[28].

    

     مسارات التّصدع والإانشقاق.

      تفرض الطبيعة الإيديولوجية المتصلبة، والتركيبة الاجتماعية الاقتصادية المهمشة للسلفية المحافظة تحديات شائكة ومعقدة على ذاتها، فالتيار مهدد على الدوام بعمليات تصدع وإنشقاق وفرز واستقطاب لا تنتهي، ففي إطار حربها وصراعها مع التوجهات والجماعات الإسلامية الأخرى تشتعل حربا شعواء موازية بين أعضاء الجماعة على النفوذ والمكاسب.

     وتتمثل خطوط التصدع والنزاع في جبهتين رئيسيتين، الأولى: مسألة تمثيل السلفية المحافظة، والثانية: خيانة الوظيفة العلمية والاجتماعية.

    وبرزت مسألة التمثيل بقوة عقب وفاة الشيخ المؤسس ناصر الدين الألباني. تبلورت عن اتجاهين الأول أسفر[p16]  عن تأسيس مركز الإمام الألباني عام 2001، وضم كل من: علي الحلبي، سليم الهلالي، مشهور سلمان، محمد موسى نصر، وغيرهم. والثاني: الشيخ محمد إبراهيم شقرة، وغيره. فقد أصدر أعضاء مركز الألباني جملة من الفتاوى تتهم شقرة بانحيازه للسلفية الجهادية، وتأييده للسلفية الحركية وممثلها سيد قطب[29]، ورّد الشيخ محمد إبراهيم شقرة على هذه الدعاوى باتهام مجلة “الأصالة” بالخروج عن منهج أهل السنة والجماعة، وخيانة منهج الشيخ الألباني[30].

      ويشكل الجدل الدائر حول تمثيل السلفية الحقة، أحد أهم خطوط الحرب الكلامية والإعلامية والعلمية بين الأطراف المتنازعة، فالاقتراب من السلفية الحركية محظور، والدفاع عن سيد قطب ممنوع، ومدحه والانتساب إليه ضلال[31]. ولم يسلم ممثلو السلفية المحافظة في الأردن من هذه التهم من طرف السلفية المحافظة- التقليدية في السعودية، وغيرها من البلدان العربية. إذ اتُّهم علي الحلبي نفسه (في الفترة الأخيرة) بعد أن أصدر كتابا بعنوان: “منهج السلف الصالح”[32]، بانتمائه إلى السلفية الحركية ومدح ومداهنة أنصارها وممثليها في مصر أمثال: أبو إسحاق الحويني، محمد حسان، محمد حسين يعقوب. والمغرب أمثال: عبد الرحمن المغراوي، واليمن: أمثال أبو الحسن المأربي، فضلا عن الجمعيات السلفية أمثال: جمعية إحياء التراث في الكويت، وجمعية البر في الإمارات، إذ تُتّهم هذه الشخصيات والجمعيات من قبل أنصار السلفية التقليدية بالقطبية والإخوانية[33].

      وتتسم الحرب الكلامية بين الأطراف على شرعية التمثيل بعنف لفظي، لا نظير له يعبر عن تصلب أيديولوجي، وخوف من زوال المصالح المكتسبة التي قد تنتج عن ضياع أحقية التمثيل، وفي سياق محاولة الأطراف نزع الشرعية عن الآخر تعتبر تهمة السرقات العلمية والمالية الأكثر شيوعا وانتشارا، لإثبات الخيانة العلمية والأخلاقية؛  إذ تتوافر ببلوغرافيا ثرية مطبوعة ومنشورة على شبكة الإنترنت وقد باتت ساحة صراع عنيفة.[34]

      وتعتبر تهمة السرقات المالية إحدى الظواهر، في الأردن، وعلى الرغم من محاولات التستر على هذه الممارسات، إلا أن المسألة لم تعد قابلة للاحتواء، فقد أصدر ممثلو مركز الألباني مؤخرا مذكرة يقرّون فيها بسرقة أموال تبرعات من مؤسسات خارجية كجمعية إحياء التراث، وأشخاص محسنين، وادّعوا أن من قام بها هو سليم الهلالي، مما أدى إلى فصله، والتشهير به[35]، فقد كتب محمد موسى نصر مقالة عنيفة بعنوان: “إذ انبعث أشقاها”[36]، وكتب أكرم زيادة مقالة بعنوان: “فساد السلفي، لا الفساد السلفي”[37].

    وقد تمكن بعض رموزها المنحدرين من الطبقات الفقيرة والمهمشة اقتصاديا من تحسين أوضاعهم المالية بصورة ملموسة، مما قد يفسر جاذبيتها وانتشارها في الطبقات الدنيا، كما أنها تكشف عن طبيعتها اللامركزية مع وجود مركز الإمام الألباني الذي يجمعها، فهي تفضِّل “النظام المشيخي”، الذي يقوم عل وجود شيخ وتلاميذ ومريدين، ولذلك فهي تمر بموجات انشطارية دائمة، ونزاعات وانشقاقات مستمرة، تصل إلى درجة القطيعة والاتهام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-4-

أيديولوجيا السلفية المحافظة:

استراتيجية التصفية والتربية في التغيير!

     على الرغم من سجنه في سورية لعدة شهور، إلاّ أنّ الأسباب لم تكن سياسية مباشرة ،إذ لم يدخل الألباني المعترك السياسي، ولا التنظير والتأليف في المسائل السياسية، باستثناء الفتاوى المختلفة التي كان يصدرها بعد سؤاله واستفتائه في قضايا معينة، وهي مسجلة على عدد من الأشرطة.

    بدأت بنية التصور الأيديولوجي للألباني بالاستقرار والنضوج الكامل عقب إقامته في الأردن بداية الثمانينيات من القرن الماضي، بالتزامن والتوازي مع انتشار خطابه (عبر أشرطة الكاسيت والمجلات والأتباع) وكتبه بين الجمهور، ليس فقط في الأردن، بل خارجها أيضاً.

    أيديولوجيا السلفية المحافظة، في نسختها الألبانية، تقوم عموماً على مبدأ الرجوع إلى الإسلام، كما بدأ نقياً قبل أن تلوثه “الأهواء والبدع القديمة والمعاصرة”، والعمل على بناء قاعدة صلبة تستند إلى الفردية وليس الجماعية (في صورتها التنظيمية والحزبية التي حرّمها الألباني ورفضها).

   على الأغلب، فإنّ ظروف وملابسات الهجرة إلى الأردن، والاستقرار فيها عملت على بلورة سلفيته المحافظة “المهادنة” أو “المسالمة” للسلطة، فأصبحت رؤيته للتغيير والإصلاح تقوم على أنّ تصفية المجتمع وتربيته سوف تؤدي في النهاية إلى قيام “دولة الإسلام”، من دون الاضطرار إلى مواجهة الدولة القائمة، والتشكيك في شرعيتها، وهي الفلسفة التي تبرز تحت عنوان “أهداف الدعوة السلفية”، وتنشر عادةً مرافقة لأغلفة مجلاّت أتباع الشيخ، كمجلة الأصالة، والتي تنص على ” تقديم حلول إسلامية واقعية للمشكلات العصرية الراهنة، والسعي نحو استئناف حياة إسلامية راشدة على منهاج النبوة، وإنشاء مجتمع رباني، وتطبيق حكم الله في الأرض، انطلاقاً من منهج التصفية والتربية”.

   

 

 

 

 

 

 

 

    البُنية المعرفية للخطاب الفكري

    تبدأ[p17]  الخطوط الأساسية للسلفية المحافظة (الألبانية) “أهل الحديث”، الذين يمثلون أصلاً ومصدراً ومنبعاً في مسائل الاعتقاد والسلوك، فـ”الإتباع”، يتمثل بالالتزام بهذا “الخط النقي”، الذي يمثل الإسلام الصحيح، بعيداً عن التقليد والتمذهب[38].

     انحياز الشيخ الألباني، معرفياً، هو حصرياً لأهل الحديث بشكل صريح في مؤلفاته وفتاويه، ويتطابق وعيه مع هذا الاتجاه الذي ظهر جلياً في مطلع القرن الثالث الهجري، في مواجهة تيار” أهل الرأي”، الذي تبّنى منهجاً عقلانياً في قراءة نصوص الشريعة وتأويلها. بينما أهل الحديث رأوا في منهج أهل الرأي خطراً عظيماً على الهوية الإسلامية، وخروجاً صريحاً عن الإسلام النقي.

     وتتلخص العقائد السلفية في صيغتها النهائية، وفقاً للألباني، بالتسليم والاستسلام لنصوص الكتاب والسنة، وتفسيرها بلا تأويل، وبأن الأصول ثلاثة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وباعتبار أهل القبلة مسلمون مؤمنون، فلا يكفُرُ أحدٌ من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، والدين عند الله الإسلام، وهو وسط بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، والبراءة من أصحاب الأهواء والمذاهب المخالفة مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية[39].

    هذه الرؤية الأيديولوجية تدفع بخطاب الألباني، وبالضرورة السلفية المحافظة، إلى جُملةٍ من السمات والملامح الرئيسة:

-       التركيز على النصوص بدرجة أكبر من العقل، والالتزام بالقراءة التراثية للنصوص الدينية، ورفض القراءات والتأويلات الحداثية الجديدة لها. فهو خطاب نصوصي (مدرسي- إن جاز التعبير) بامتياز.

-       ربط المواقف السياسية والفكرية من الأحداث الجارية بالجانب العقائدي، الذي يحتل مساحة واسعة من الحضور في خطاب التيار وفكره، ما يجعل من خطابه جامداً، محدود القدرة على المناورة العقائدية مع التيارات والمذاهب الفكرية والعقائدية الأخرى.

-       الأحادية في التصور العقائدي والفقهي والفكري، ومجافاة التعددية، بل رفضها في كثير من الأحيان، وما يعزّز ذلك إحدى فرضيات خطاب التيار “الحق واحد لا يتعدّد”. رفض التعددية هنا يكتسب بعداً أخر أخطر، يتمثّل بتلبس موقف ديني يرى الآخر بمنظور المخالف للشريعة والمنحرف والضال عنها ، ويحمّله أحكاماً دنيوية ودينية قاسية، يصعب بعدها الالتقاء معه على منطقة وسطى.

-       السمة السابقة تتجلّى في الاستحضار الدائم للخلافات الدينية والفقهية والتاريخية في خطاب السلفية التقليدي الأيديولوجي، والعمل على إسقاط تلك الصراعات التاريخية على الواقع المعاصر والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، مما يجعل طبيعة العلاقة بين السلفية التقليدية والقوى والأحزاب الإسلامية، وحتى العلمانية الأخرى، ذات طابع صدامي وصراعي صارخ.

 

    تبرز الرؤية الحادّة لدى الألباني من الفرق الإسلامية الأخرى في النص التالي ” العلاج الوحيد هو الرجوع إلى الدين، لكن هذا الدين – كما يعلم الجميع وبخاصة المتفقهين منهم- مختلف فيه أشد الاختلاف وليس هذا الاختلاف – كما يظن كثير من الكتاب أو العلماء- محصوراً في مسائل فرعية قليلة كما يقولون، بل هذا الخلاف يتعداه إلى المسائل الاعتقادية، فهناك خلاف كبير بين الأشاعرة والماتريدية، وهناك خلاف بين هؤلاء المعتزلة – فضلاً عن الفرق الأخرى-، وكلهم محسوبون علينا بأنهم مسلمون أو كلهم مخاطبون بهذا الحديث:” سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”.. لذلك فأنا أرى أن أي إصلاح – يجب أن يقوم به الدعاة إلى الإسلام، والناشدون لإقامة دولة الإسلام بإخلاص – هو أن يعودوا إلى أن يفهموا أنفسهم أولاً ، ويُفهِموا الأمة ثانياً الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لا سبيل إليه إلا بدراسة الكتاب والسنة”[40].

    

    سياسات الأسلمة من الفرد إلى المجتمع، ثم الدولة

     الإدراك السلفي المحافظ لبيئة الواقع الاجتماعي والسياسي، ولطبيعة الدين الإسلامي، أفرز مبدأ ذا خصائص مثالية لإصلاح الخلل الواقع في العالم الإسلامي عنوانها “التصفية والتربية”، إذ يتمتع هذا المبدأ بحضور كثيف في مجمل الخطاب السلفي المحافظ، ويتوافر على مضامين سياسية ضمنية كطريق وحيدة للنهوض بواقع العالم الإسلامي، واستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة الخلافة والدولة.

     ويتأسس مبدأ “التصفية والتربية” على أنّ “سر الانحطاط المعاصر”، بحسب توصيف الألباني، من خلال الانحراف عن الإسلام. وعليه، لا بد من التقيد والالتزام والاتباع، ذلك أن “العلاج الوحيد هو الرجوع إلى الدين، لكن هذا الدين – كما يعلم الجميع- وبخاصة المتفقهين منهم – مختلف أشد الاختلاف[p18]  وليس هذا الاختلاف- كما يظن كثير من الكتّاب أو العلماء – محصور في مسائل فرعية قليلة كما يقولون، بل أن هذا الخلاف يتعداه إلى المسائل الاعتقادية، فهناك خلاف كبير بين الأشاعرة والماتريدية، وهناك خلاف بين هؤلاء والمعتزلة -فضلًا عن الفرق الأخرى- وكلهم محسوبون علينا بأنهم مسلمون.. لذلك فأنا أرى أن أي إصلاح يجب أن يقوم به الدعاة إلى الإسلام، والناشدون لإقامة دولة الإسلام بإخلاص، هو أن يعودوا إلى أن يفهموا أولًا أنفسهم، ويُفَهِّموا الأمة ثانيًا الدين الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام”([41]).

   إذن، منهج “التصفية والتربية”، هو حجر الأساس في البنية الأيديولوجية للسلفية المحافظة الأردنية، وتعود جذور هذا المنهج إلى مبدأ سلفي تاريخي أساسي وجذري ملخّصة: “الإتباع لا الابتداع”. فالإتباع هو جوهر نظرية التصفية، ولا يمكن أن تتم، بحسب الألباني، إلا بالكشف عن البدع وملاحقتها وتطهير المجتمع من أضرارها[42].

     ولا يخلو كتاب أو رسالة للألباني من “الحض على الإتباع وترك الابتداع”، تأسيساً على فرضية تقول بأنّ سبب التخلف والانحطاط نابع من وجود طوائف من أهل البدع والأهواء، عملوا على تشويه العقائد والعبادات في الإسلام، وفي مقدمتهم أهل الرأي، لذلك فإن خير من يمثل السلف هم أهل الحديث الذين يمثلون الطائفة المنصورة، التي تمسكت بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

   ويؤكد على معنى التصفية والتربية الذي يدعو إليه بقوله ” يجب على أهل العلم أن يتولوا تربية النشء [p19] المسلم الجديد على ضوء ما ثبت في الكتاب والسنة، فلا يجوز أن ندع الناس على ما توارثوه من مفاهيم وأخطاء، بعضها باطل قطعاً باتفاق الأئمة، وبعضها مختلف فيه، وفيه وجه من النظر والاجتهاد والرأي، وبعض هذا الاجتهاد والرأي مخالف للسنة، فبعد تصفية هذه الأمور، وإيضاح ما يجب الانطلاق والسير فيه، لا بد من تربية النشء الجديد على هذا العلم الصحيح، وهذه التربية هي التي ستثمر لنا المجتمع الإسلامي الصافي، وبالتالي تقيم لنا دولة الإسلام. وبدون هاتين المقدمتين: ( العلم الصحيح) و( التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح) يستحيل – في اعتقادي- أن تقوم قائمة الإسلام، أو حكم الإسلام، أو دولة الإسلام”[43] .

     الأساس في التصفية والتربية هو العلوم الدينية، لأن “مفتاح عودة مجد الإسلام: تطبيق العلم النافع، والقيام بالعمل الصالح، وهو أمر جليل، لا يمكن للمسلمين أن يصلوا إليه إلا بإعمال منهج التصفية والتربية، وأردت بالأول منهما أموراً:

    الأول: تصفية العقيدة الإسلامية، مما هو غريب عنها، كالشرك، وجحد الصفات الإلهية، وتأويلها، ورد الأحاديث الصحيحة لتعلقها بالعقيدة ونحوها.

   والثاني، تصفية الفقه الإسلامي من الاجتهادات الخاطئة المخالفة للكتاب والسنة، وتحرير العقول من آثار التقليد، وظلمات التعصب.

    والثالث، تصفية كتب التفسير، والفقه، والرقائق، وغيرها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو الإسرائيليات والمنكرات. 

    وأما الواجب الأخر: فأريد به تربية الناشئ على هذا الإسلام المصفى من كل ما ذكرنا، تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، دون أي تأثر بالتربية الغربية الكافرة”[44].

[p20]       عند السلفية المحافظة لا سبيل غير “التصفية والتربية” للوصول إلى الدولة، إذ يقول الألباني “يجب على أهل العلم أن يتولوا تربية النشء المسلم الجديد على ضوء ما ثبت في الكتاب والسنة، فلا يجوز أن ندع الناس على ما توارثوه من مفاهيم وأخطاء، بعضها باطل قطعًا باتفاق الأئمة، وبعضها مختلفٌ فيه، وله وجه من النظر والاجتهاد والرأي، وبعض هذا الاجتهاد والرأي مخالف للسنة. فبعد تصفية هذه الأمور، وإيضاح ما يجب الانطلاق والسير فيه، لا بد من تربية النشء الجديد على هذا العلم الصحيح، وهذه التربية هي التي ستثمر لنا المجتمع الإسلامي الصافي، وبالتالي تقيم لنا دولة الإسلام، وبدون هاتين المقدمتين: (العلم الصحيح) و(التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح)، يستحيل في – اعتقادي – أن تقوم قائمة الإسلام أو حكم الإسلام أو دولة الإسلام”([45]).

    ويستثني الألباني أية استراتيجية أحرى لقيام دولة الإسلام، من دون المرور بسياسيات “التصفية والتربية”، عن طريق أسلمة المجتمع، وذلك لا يمكن تحقيقه عن طريق الاشتغال المباشر بالسياسة سواءٌ أكان عن طريق المشاركة السياسية (ديمقراطيًا، باعتبارها طريقة كفرية)، أو عن طريق الانقلاب والثورة باعتبارها بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    عمليات إعادة الأسلمة، بحسب نظرية “التصفية والتربية”، تعمل على عدة جبهات داخلية وخارجية، والخطوة الأولى للإصلاح والتغيير تتم عن طريق تصفية العقيدة الإسلامية مما هو دخيل وغريب عنها، كالشرك وجحد الصفات الإلهية، وتأويلها، ورد الأحاديث الصحيحة، والأخذ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتصفية الفقه الإسلامي من الاجتهادات الخاطئة المخالفة للسنة، وتنقية التفسير من الإسرائيليات والانحرافات([46]).

    وإذا ما تحققت هذه التصفية؛ فإن التربية سوف تعمل على تنقية الهوية من الانحراف الحاصل  عبر تقليد الغرب الكافر، فبحسب الشيخ الألباني “تربية الجيل الناشئ على هذا الإسلام المصفى من كل ما ذكرنا تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظافره، دون أي تأثر بالتربية الغربية الكافرة”([47]).

    ويبدو هاجس الهوية حاضرًا بقوة في خطاب السلفية المحافظة، فالجرح النرجسي للهوية يعمل كقوة للبحث عن هوية نقية متخيلة لم تتحقق تاريخيًّا سوى في الأذهان، فهو يشدد على التربية منذ نعومة الأظفار، حتى لا تتأثر بالتربية الغربية الكافرة، ولا بالتربية المنحرفة داخليًّا بفعل الفرق والمذاهب الإسلامية التي تصنف في خانة الفرق الهالكة والعصبيات المذهبية الضالة.

    تلك التحديات التي تواجه الهوية هي من أهم العقبات التي تحول دون قيام الدولة الإسلامية، وهي التي تتحمل انهيار نظام الخلافة ” ومن البديهي أن مثل هذه الدعوة لا يمكن النهوض بها، بعدما دخل فيها ما ليس منها عن طريق الدس على النبي صلى الله عليه وسلم باسم الحديث، والدس على تفسير القرآن باسم التأويل، فلا بدَّ من الاهتمام الجدِّي العلمي لتصفية المصدرين المذكورين مما دخل فيهما، لتتمكن من تصفية الإسلام من مختلف الأفكار، والآراء والعقائد المنتشرة في الفرق الإسلامية، حتى ممن ينتسب إلى السنة منهم، واعتقد أن كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس الصحيح من التصفية، فسوف لا يكتب لها النجاح اللائق بدين الله الخالد”([48]).

     لذلك، فإن المناهج المتبعة لدى الحركات والجماعات الإسلامية محكوم عليها بالفشل، بسبب عدم تحقيقها للشروط اللازمة للنهضة والإصلاح، وتلبُّسها بالبدع ومخالفة منهج السلف الصالح ” إن هناك اختلافًا كبيرًا بين الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على الساحة، ساحة الإصلاح، ومحاولة إعادة الحياة الإسلامية، واستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة الدولة الإسلامية، هذه الجماعات مختلفة مع الأسف الشديد أشد الاختلاف حول نقطة البدء بالإصلاح، فنحن نخالف كل الجماعات الإسلامية في هذه النقطة، ونرى أنه لا بدَّ من البدء بالتصفية والتربية معًا، أما أن نبدأ بالأمور السياسية، والذين يشتغلون بالسياسة قد تكون عقائدهم خرابًا يبابًا[p21] ، وقد يكون سلوكهم من الناحية الإسلامية بعيدًا عن الشريعة الإسلامية. يرفع هؤلاء أصواتهم بأن لا حكم إلا لله، ولا بد أن يكون الحكم بما أنزل الله، هذه كلمة حق، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان أكثر المسلمين اليوم لا يقيمون حكم الله في أنفسهم، ويطالبون غيرهم بأن يقيموا حكم الله في دولتهم، فإنهم لن يستطيعوا تحقيق ذلك ففاقد الشيء لا يعطيه”([49]).

 

     تأسيساً على هذا “المنهج” يشن الألباني حملة لا هوادةً فيها على الفرق والجماعات الإسلامية المعاصرة؛ لاشتغالها بقضايا سياسية واقتصادية، ويقول في معرض نقدها:” جلّ اهتمامهم إنما هو في توجيههم إلى الأخلاق الإسلامية، وآخرون منهم لا شغل لهم إلا تثقيف أتباعهم بالسياسة والاقتصاد. ونحو ذلك مما يدور عليه كلام أكثر الكتاب اليوم حوله، ومع ذلك فهم جميعاً يسعون إلى إيجاد المجتمع الإسلامي، وإقامة الحكم الإسلامي، وهيهات هيهات!

    ويستند الألباني في تأسيسه لمنهج “التصفية والتربية” على مفهوم “الفرقة الناجية” (أي ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية من قبل السلفية التقليدية) والاعتقاد بأن الطائفة المنصورة، التي ورد ذكرها في الحديث النبوي، هي “أهل الحديث”، التي مثلت صفاء الإسلام ونقاءه من التحريف والتشويه الذي جاء به أهل الفرق الهالكة.

    فهو يؤكد في معرض بيانه لماهية الطائفة الظاهرة المنصورة من خلال شرحه لحديث “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة”، بأن هذه الطائفة الظاهرة والفرقة الناجية، هي أهل الحديث:

   أولاً، أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة، أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهديه وأخلاقه وغزواته، وما يتصل به صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً، أن الأمة قد انقسمت إلى فرق ومذاهب لم تكن في القرن الأول، ولكل مذهب أصوله وفروعه، وأحاديثه التي يستدل بها ويعتمد عليها، وأن المتمذهب بواحد منها يتعصب له ويتمسك بكل ما فيه. وليس على هذا أهل الحديث، فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده في أي مذهب كان[50].

    ويموضع الألباني الجماعات الإسلامية المعاصرة ضمن الفرق الهالكة لضلالها العقائدي، فبحسبه “لا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، أن التحزب والتكتل في الجماعات مختلفة الأفكار أولاً، والمناهج والأساليب ثانياً، فليس من الإسلام في شيء، بل ذلك مما نهى عنه ربنا عز وجل في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها قوله تعالى” ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون”، فربنا عز وجل يقول ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك”، فالله تبارك وتعالى استثنى من هذا الخلاف

الذي لا بد منه كونياً وليس شرعياً، استثنى من هذا الخلاف الطائفة المرحومة حين قال ” إلا من رحم ربك”[51].

    تسبب منهج الألباني بردود فعل واسعة داخل الجماعات الإسلامية، وجمع كبير من الفقهاء والمفكرين الإسلاميين، فقد أفردت الجماعات السلفية الجهادية عشرات الكتب والرسائل في الرد على منهج الألباني، وكذلك الإخوان المسلمين، وحزب التحرير، فضلاً عن عشرات الفقهاء والمفكرين، كالشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ومحمد الغزالي، وغيرهم[52]. وتدور معظم الانتقادات بأنّ الألباني هومحدِّث (أي متخصص بعلم الحديث النبوي)، ولم يكن فقيها مؤهلاً للنظر في المسائل والنوازل المستجدة، بل إن بعض خصومه نفى عنه صفة المحدِّث.

      السياسة الحقيقية، كما يرى أنصار السلفية المحافظة، تتلخص بمنهج “التربية والتصفية” عبر التغلغل في النسيج المجتمعي فردًا فردًا، وإصلاح المفاهيم الخاطئة والمنحرفة، فالإصلاح يبدأ بالنفس وينتقل من المجتمع إلى الدولة وفق المنهاج المرسوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-5-

الموقف الملتبس من السياسة

إغلاق الباب وفتح النوافذ!

     تبلورت رؤية السلفية المحافظة لمنهج التغيير والعمل السياسي على يد الشيخ المؤسس الألباني من خلال نظرية “التصفية والتربية”، كما مرّ سابقاً.

     لذلك، لا يتعرض السلفيون للدولة وشرعيتها إلا اضطراراً، ويوجهون عنايتهم إلى المجتمع  وفعالياته الناشطة، وقد ظهرت الرؤية الاستراتيجية لدى شيخهم الألباني، جلياً وبشكلٍ صريح، عقب هزيمة حزيران 1967، إذ تولدت لديه قناعة باستحالة تحقيق النصر والتمكين من دون إعداد بعيد المدى للمجتمع والدولة.

    وترسخت تلك القناعة بعد الصدامات الدامية بين الحركة الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين والنظام في سورية، هي منعطفات تاريخية فارقة في تحديد المسار الفكري والسياسي للدعوة السلفية الألبانية، وقد برزت مخرجاتها بوضوح عقب استقر الألباني في الأردن عام 1980 حتى وفاته عام 1999([53]).

    تعززت رؤية الألباني للتغيير والإصلاح عند نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ إذ شهد العالم الإسلامي خلال تلك الحقبة ظهور الحركات الإسلامية السلفية الجهادية، فقد ظهرت في مصر “جماعة الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”، وفي سورية ظهرت “الطليعة المقاتلة” للإخوان، وفي أفغانستان كان الجهاد الأفغاني قد دخل مرحلة الاستقطاب العالمي، وفي السعودية ظهرت حركة جهيمان، وكان الألباني قد اتهم بأنه المنظر الرئيس لهذه الحركة([54])، ومُنع إِثرها من دخول السعودية، ولعلّ هذه الأحداث حملت الألباني على بلورة رؤية محددة في العمل السياسي وإقامة دولة الشريعة، قوامها الإيمان بـ “التصفية والتربية” كطريق بديل من أجل استئناف الحياة الإسلامية. [p22] 

   عموماً، على الرغم من دعوى الألباني بعدم التدخل في السياسة وبمحاولة ضرب ستار حديدي فكري بين دعوته والشواغل السياسية التي يرفضها الألباني، إلاّ أنّ أتباعه، عملياً، انخرطوا بصورة غير مباشرة في المعادلات السياسية، من خلال الحروب الفكرية والسياسية التي خاضوها نيابة عن الحكومات في مواجهة التيارات الإسلامية الأخرى.

  والحال؛ أنّ السلفيين أغلقوا الباب على السياسة، لكنهم دخلوا إليها عبر النوافذ!

    السياسة بين حدّين: الشرعية الإسلامية والكفر الغربي!

    الإسلام – بحسب الألباني، دين مكتمل بذاته، إذ يحتوي على إجابات قاطعة لسائر المشكلات والنوازل، ولا يحتاج لما يكمله من خارجه، وتكمن المشكلة في المسلمين، وليس في الإسلام، الذي تعرض تاريخيًّا لتحريفات وانحرافات شوَّهت صورته النقية التي كانت عليها إبان عصر الصحابة والسلف الصالح، فالبدع والعوائد العقدية والاجتماعية والسياسية، عملت على تشويه الإسلام، ولا بدَّ من العودة إلى النبع الأول الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومصدريه الأساسيين وهما: الكتاب والسنة، فالرجوع إلى الدين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، لأن ذلك هو الدين باتفاق الأئمة، وهو العصمة من الانحراف، ومن الوقوع في الضلال، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام: “تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض”([55]).

     وبمجرد العودة إلى الكتاب والسنة الصحيحة فإن الإصلاح والتجديد سوف يتحققان تلقائياً، ولا يتم ذلك إلا باتباع الإسلام الصحيح عبر ممثليه الشرعيين، وهم بحسب السلفية التقليدية أهل الحديث، باعتبارهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، التي عملت على الحفاظ على نقاء الإسلام وصفائه([56]).

     أما سائر الفرق العقدية والسياسية التاريخية؛ كالمعتزلة والأشاعرة والشيعة والصوفية وغيرها، فهي من الفرق الهالكة([57])، وينسحب الحكم بالهلاك والضلال والابتداع على الجماعات والحركات والأحزاب الإسلامية المعاصرة،كما أن المذاهب الفقهية من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرها، عملت على ترسيخ الفرقة والتعصب وساهمت في ترسيخ حالة الابتداع والتخلف والتفرق([58]).

     السياسة، بحسب الألباني، من الدِّين الإسلامي، بمعناها الشرعي، وهي مأمور بها شرعًا([59])، إلا أنه يشدد في فتاويه على القول: “من السياسة ترك السياسة”([60])، وهو بهذا يقترب من الحركات التَّقْوِيَّة الطهورية كجماعة التبليغ التي لا تتوافر على اهتمامات مباشرة بالسياسة، باعتبارها ثمرة تتحقق من خلال سياسات أسلمة المجتمع، والنفوذ إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة، كإستراتيجية لا غنى عنها قبل الدخول في مسألة الدولة واستئناف الحياة الإسلامية.   

     السلفية المحافظة ترى السياسة بالمفهوم الحداثي الغربي كبدعةً تقوم على مبادئ كفرية، قوامها المراوغة والنِّفاق والغش، إذ يرى مشهور حسن سلمان أن السياسة المعاصرة “تدنت فنزلت – ولا قوة إلا بالله – إلى معنى التحايل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهدهدة للنائم حتى لا يستيقظ”([61]).

    لهذا، فقد شدَّد أتباع السلفية المحافظة على نفي وصف السلفية بحركة سياسية بالمعنى المرذول؛ فالشيخ محمد إبراهيم شقرة يؤكد أن السلفية: “كلمة تنفي بمعناها المتبادر منه، أي معنى يدل على حركة سياسية” ([62])، ويشدِّد على مفهوم السياسة المقلوب والمنقود بقوله: “ولست أعني بالعمل السياسي ذلك المعروف بنظرياته المختلفة، وأنظمته المتباينة التي تشرد بعيدًا عن الضوابط الشرعية، ولا ترى سلطانًا للعقيدة…، إذ هذا في حقيقته “دين السياسة” بثقافتها، وكذبها وتزويرها”([63]).

    وإذا كانت السياسة القائمة تتوافر على معاني الذم والقدح في الخطاب السلفي التقليدي لخروجها عن معنى السياسة الشرعية، فإن التلبس بها لا يجوز، “ومن هنا فإن مخالطة السلوك السياسي على ما هو عليه الآن لا ينبغي، ولا وجه من الإباحة لزحزحته عن دائرة المحظورات الشرعية، من خالطه يُوزَر، ومن تاب تاب الله عليه”([64]).

     ويخلص محمد شقرة إلى جملة من النتائج المؤسسة للرؤية السلفية المحافظة للسياسة، وهي أن العمل السياسي جزء من النظام الإسلامي العام، حين تكون للإسلام دولةٌ تحمي وجوده، أمّا في عصرنا فتعتبر من المحظورات والمخالفات الشرعية؛ لأنها تصادم أصول العقيدة وفروع الشريعة([65]).

    ويتوافق في هذه الرؤية أتباع السلفية المحافظة. فعلي الحلبي يرى أن السياسة بمعناها الشرعي من الدين، أما المعنى المعاصر المنفلت فهي مذمومة، والدعوة السلفية ليست حركة سياسية، ولن ترضى أن تكون كذلك([66]).

    ويتواتر التفريق بين السياسية الشرعية والمعاصرة، لدى السلفية المحافظة، من دون تحليل نقدي لمفهوم السياسة المعاصرة، فمحمد موسى نصر يرى “أن السياسة من الدين عند السلفيين، لكن أي سياسة؟! أهي سياسة الجرائد والمجلات ووكالات الأنباء اليهودية والصليبية؟! أم سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم وسياسة أصحابه؟! أهي سياسة الديمقراطيين الذين يقولون بمقولة الكفار: حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب؟! أم سياسة أهل الإسلام الذين يقولون: حكم الله تعالى بكتاب الله وسنة رسوله انطلاقًا من مبدأ الشورى الذي قرره الإسلام؟! أهي سياسة معرفة الحق بكثرة الأصابع المرفوعة في المجالس النيابية؟! ولو كانت تأييدًا لفاحشة أو منكر أو شرك أو ناد ليلي أو مصنع للخمور، أم سياسة: إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه”([67]).

     وينحى [p23] الخطاب السياسي السلفي المحافظ نحو التناقض والغموض والامتثال؛ فالسياسة مطلوبة شرعًا، وهي السياسة الشرعية، أما السياسة المعاصرة فهي كفر ونفاق وغش وخداع، والنظم التي لا تعمل على تطبيق حكم الله هي خارجة عن الإسلام، والإسلام يعيش غربته الأشد، فالمسلمون اليوم بحسب الشيخ الألباني “محاطون بدول كافرة قوية في مادتها، ومبتلون بحكام كثير منهم لا يحكم بما أنزل الله، أو لا يحكمون بما أنزل الله إلا في بعض النواهي دون بعض”([68]).

    ما هي السياسة؟

   يجيب الألباني “إذا كان المقصود بالسياسة سياسة الأمة فالحقيقة أن السياسة ليست من عمل فرد من أفراد الأمة، وإنما هي من واجبات الدولة المسلمة، إذا كان المقصود بالسياسة، كما هو المتبادر، سياسة الأمة وإدارة شؤونها لما فيه صالح دينها ودنياها.. فهذا فرض كفاية، ولكن ليست على الأفراد الذين لا يملكون دولة ولا صولة ولا يملكون ضرًا ولا نفعا”([69]).

 

    تكفير الديمقراطية ورفض التعددية والانتخابات

    الديمقراطية، بحسب هذا الخطاب، نظامٌ كفريٌّ مستوردٌ ومتناقض مع الشريعة، فالألباني يشدد على أن “الديمقراطية: وهي عند واضعيها ومعتنقيها: حكم الشعب نفسه بنفسه، وأن الشعب، مصدر السلطات جميعًا. وهي بهذا الاعتبار مناقضة للشريعة الإسلامية والعقيدة… لأن الديمقراطية نظام طاغوت، وقد أُمرنا أن نكفر بالطاغوت… فالديمقراطية والإسلام نقيضان لا يجتمعان أبدا! إما الإيمان بالله والحكم بما أنزله، وإما الإيمان بالطاغوت والحكم به، وكل ما خالف شرع الله فهو من الطاغوت، ولا عبرة بمن يحاول أن يجعلها من الشورى الإسلامية، لأن الشورى فيما لا نصَّ فيه، ولأهل الحل والعقد من أهل الدين والورع، والديمقراطية بخلاف ذلك كما سبق”([70]).

    أما التعددية الحزبية فهي “فرع عن الديمقراطية، وهي قسمان: تعددية سياسية، وتعددية فكرية عقائدية. أما التعددية العقائدية، فمعناها أن الناس في ظل النظام الديمقراطي لهم الحرية في أن يعتقدوا ما يشاءون، ويمكنهم الخروج من الإسلام إلى أي ملة ونحلة أخرى حتى لو كانت يهودية أو نصرانية أو شيوعية أو اشتراكية أو علمانية، وتلك هي الردة بعينها…

   ” أما التعددية السياسية: فهي فتح المجال لكافة الأحزاب بغض النظر عن أفكارها وعقائدها لتحكم المسلمين عن طريق الانتخابات، وهذا فيه مساواةٌ بين المسلم وغيره، وهذا خلاف للأدلة القطعية التي تحرم أن يتولى المسلمين غيرهم… ولأن التعددية تؤدي إلى التفرق والاختلاف الموجب لعذاب الله”([71]).

   “أما الانتخابات السياسية: فهي بالطريقة الديمقراطية حرام ولا تجوز، والمجالس النيابية التي لا تحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله إنما تتحاكم إلى الأكثرية؛ فهي مجالس طاغوتية، لا يجوز الاعتراف بها، فضلًا عن أن يسعى المسلم إلى إنشائها، ويتعاون في إيجادها وهي تحارب شرع الله، ولأنها طريقة غربية من صنع اليهود والنصارى، ولا يجوز شرعًا التشبه بهم”([72]).

   وتكفير الديمقراطية والتعددية والانتخابات أحد ثوابت الخطاب السلفي المحافظ؛ فقد جاء في كتاب “مدارك النظر في السياسة”، قدم له وقرضه الألباني، أن “المسار الانتخابي نظامٌ كافر؛ لأنه يساوي فيه بين المسلم والكافر… وأعظم هذه كلها أنه يساوى فيه الإسلام بالكفر، حيث يجعلان في كفتي التصويت… لقد أخذت أبحث في هذه اللائحة وهذا النداء – يقصد لوائح جبهة الإنقاذ الجزائرية – عن كلمة (الحكم بما أنزل الله) أو (تطبيق الشريعة الإسلامية)، فلم أعثر على كلمة فيها ولو مرة واحدة إلا الكلمات الناعمة التي لا تزعج أصحاب البرلمان، كقولهم: (المشروع الإسلامي) و(القضية الإسلامية)، بينما حظي ذكر (الشعب)، و(الدستور)، عندهم بأكثر من (47) مرة في ورقتين ونصف، حرصًا منهم أن يكون الأمر والسيادة خالصين لهما ليس لله تعالى فيها نصيب… وتأمل! فإن حديثهم كله انتصار لـ (اختيار الشعب) و(إرادة الشعب) .. و(أحكام الدستور) … قبح الله هذا الدين! ما ترك شيئًا لله إلا جعله قربانًا لطواغيته؛ إنه دين الديمقراطية، وهذه الألفاظ الفجة من قاموسه الذي استبدلوه بالوحي وأعطوا به الدنية في دينهم”([73]).

    “الحاكمية”، في خطاب السلفية الألبانية، أوسع من المعنى المتبادر إلى بعض الناس، كما يرى سليم الهلالي، “لأن معنى الحاكمية، في كلام الله ورسوله أوسع دائرة مما يظنُّه بعض العوام -أو أنصاف المثقفين- في أنها تختص بالحكام، بل إنها تتعدى إلى آحاد الناس”([74]).

    الإدراك السياسي لخطاب السلفية المحافظ، يقوم على رؤية العالم التي ترى في الإسلام دينًا يحتوي على جميع الإجابات المتعلقة بالنوازل والحوادث. والمنهج السلفي المحافظ يرى في نفسه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهو مكلف بحماية الهوية من الاختلاط والتحريف والاندثار، ويرى في العالم الإسلامي القائم على نظم ديمقراطية تعددية انحرافًا عن الإسلام ودخول في الكفر، واستسلامًا للطاغوت، إلا أن السلفية الألبانية مع هذا الإدراك الفج للواقع السياسي تنأى بنفسها عن الاشتغال بالسياسة بالمعنى المباشر، فالواجب التعامل مع المجتمع بأفراده بعيدًا عن السلطة والدولة.

   لذلك، فإن استراتيجيات السلفية الألبانية تقوم على علاج المجتمع، وقاعدته الجماهيرية من الداخل، قبل الولوج إلى مداخل السلطة والدولة، وهي سياسة بعيدة المدى تشتغل على القضايا والمسائل الأساسية من إصلاح عقائد الناس وعباداتهم ومعاملاتهم، الأمر الذي سوف يقضي في النهاية بحسب سياسات “التصفية والتربية”، إلى استئناف الحياة الإسلامية، وقيام دولة الخلافة الراشدة عبر المرور بسياسة أسلمة المجتمع.

  

   المرأة في الرؤية السلفية: هيمنة الرفض لـ “مشروع التغريب”

    تقوم رؤية السّلفية المحافظة لقضايا المرأة على أُسس نوعية. الشيخ الألباني يقرر الأساس النوعي من خلال إستبعاد المرأة من المشاركة في المجال العام، ويحصر وظيفتها في إطار تدبير المنزل والاعتناء بتربية الأولاد في سياق نظرية “التصفية والتربية”, وهو إذ يقر المساواة الوجودية للرجل والمرأة, إلا أنه يقرر أن: “الأصل في المرأة هو لزوم البيت لقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) وما كان عليه نساء السّلف من عدم التَّدخل في السياسة”([75]).

   وتُشدِّد السّلفية التقليدية على ضرورة لزوم المرأة لبيتها مع الإقرار بمساواة الرجل والمرأة في الخَلْق والتَّكوين؛ إلا أن المرأة يجب أن لا تطلب المساواة مع الرجل في حقوقه؛ فالشيخ الألباني يوصي المرأة بقبول ذلك والالتزام به، فهو يقول “لا تطلب الزوجة مثلاً أن تساوي الرجل في جميع حقوقه.. وعلى المرأة بصورة خاصة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به في حدود استطاعتها، فإن هذا مما فضَّل الله به الرجال على النساء في الآيتين (الرجال قوامون على النساء) ، (وللرجال عليهن درجة) ، وقد جاءت أحاديث مؤكِّدة لهذا المعنى”([76]).

    وعلى الرّغم من إشتراك السلفية الوهابية والمحافظة في التشديد على لزوم المرأة بيتها، فإنّ السلفية الألبانية- المحافظة أكثر تسامحًا بخصوص لباس المرأة، من السعودية عموماً؛ فقد خصّص الألباني عدة كتبٍ في بيان لباس المرأة منها “حجاب المرأة المسلمة”، توصّل فيه أن لباس المرأة لا بُدّ أن تتوافر فيه ثمانية شروط، وأهمها: استيعاب جميع البدن إلا ما استُثني: “الوجه والكفين” ([77]).

     وتهيمن فكرة التّغريب والتّقليد على مجمل الفكر السّلفي المحافظ كأحد أهم التّحديات والأخطار التي تواجه العالم الإسلامي، فتغريب المجتمع والمرأة نابعٌ من التّشبه بالكفار، لذلك فالألبانيّ يحذّر من التّشبه بكافة أشكاله وصوره؛ إذ يرى أنه ” لا يجوز للمسلمين رجالاً ونساءً التَّشبه بالكفار في عباداتهم، وأعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم، وهذه قاعدة عظيمة في الشّريعة الإسلاميّة خرج عنهما اليوم، مع الأسف، كثيرٌ من المسلمين حتى الذين يُعْنون منهم بأمور الدّين والدّعوة إليه، جهلاً بدينهم، أو تبعًا لأهوائهم، أو انجرافًا مع عادات الحاضر وتقاليد أوروبا الكافرة، حتى كان ذلك من أسباب ذلّ المسلمين وضعفهم، وسيطرة الأجانب عليهم واستعمارهم”([78]).

    وتتحدّد ماهية التغيير في خطاب السّلفية المحافظة- الألبانيّة على أسسٍ نوعيّة، فهي شأنٌ ذكوريٌّ لا مجال للمرأة لاقتحامه، وفق رؤيةٍ للعالم تتَّسم بالثَّنوية المانويَّة[p24] ، في إطارٍ من القيم المتصادمة بين الحضارات؛ فالذَّات الإسلاميّة تتسم بالنَّقاء والخير المطلق، أما الذَّات الحداثيّة المعاصرة فهي خربةٌ قوامها النِّفاق والفساد والخداع، ولا مجال للمرأة بحسب السَّلفية التَّقليدية للحضور في المجال السّياسي.

     الإدراك السّلفي التّقليدي لبيئة الواقع الاجتماعيّ والسياسي، ولطبيعة الدِّين الإسلامي، أفرز نظرةً دونيةً للمرأة، إلا أنه مع ذلك عمل على توظيفها في سياق نظريّةٍ “التصفية والتربية”، وقد طرأ تطّور طفيف على دور المرأة في السنوات الماضية؛ حيث أُنشأت لجنة نسائيَّةً تابعةً لمركز الإمام الألباني([79])، وظيفتها الاتصال بالنِّساء في البُيُوت وعقد المحاضرات.

     ويبدو أنّ السلفية المحافظة تشكل عائقًا في طريق تقدم المرأة وحقوقها المدنيّة والسياسيّة، فهي تتوافر على اعتقاد راسخ باكتمال التجربة الإسلاميّة، دون الاعتبار بالمتغيرات التاريخية، وهي تصر على بقاء دور المرأة منحصرًا في المجال الخاص في البيت وتدبير شؤون الأسرة وفق رؤيةٍ صارمةٍ لمفهوم قوامة الرجل، وترى أن المنزلة التي أعطيت للمرأة في الإسلام تكفل لها حقوقها بحسب رؤيةٍ وقراءةٍ ظاهريّة للإسلام، ترى في ذاتها كمالاً مطلقًا، وفي الآخر شرًا وفسادًا.

   فوفقاً لتلك الرُّؤية، فإن مجرَّد العودة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح تجعل النهضة والتقدم مسألةً بديهيّة، أما التَّلبس والاستفادة من الحضارات الأخرى؛ فهو تخلفٌ، وتبدُّعٌ، وخروج عن الدِّين الصّحيح، فبحسب الشيخ مشهور سلمان “فإن المكتبة الإسلاميّة زاخرةٌ بالدّراسات عن المرأة وحقوقها، والواجبات عليها، وبيان المؤامرات التي تحاك ضدّها من التّغريب، وتفنيد بواطيل الخصوم، وتزييف دعاوى العلمانيين”([80]).

   أما واقع المرأة المعاصرة، بحسب هذا التَّصور، فقد “أصبحت شبكة لجمع الأموال، ومصيدة للشباب، ووسيلة لترويج الفساد والإفساد، وسلمًا للوصول إلى الغايات، وسبب ذلك كلّه: التفلت من الأحكام التي فيها سعادة البشريّة”([81]).

     ويرى محمد موسى نصر أنّ منظّمات حقوق المرأة ما هي إلا مؤامرة على المرأة المسلمة وطريقٌ إلى التّغريب والإفساد،  “علينا أن نحذر مؤامرات أعداء الإسلام، أنها مؤامرات وليست مؤتمرات، إنها مؤتمرات يكررون فيها ما يملي عليهم اليهود، وما يملي عليهم شياطين الأنس والجان.. فهم يريدون لمجتمعاتنا أن تقع في حمأة الرذيلة، ويريدون لمجتمعاتنا أن تلهث خلف الفاحشة، لأن الانحلال الأخلاقي يسبق الاحتلال العسكري، فلا بدَّ أن تنحلّ الأمّة الإسلاميّة، ولا بُد أن تَفْسد المرأة الإسلاميّة”([82]).

     أما حقوق المرأة، والاحتفال بيوم المرأة العالميّ فهو “عيدٌ يتّخذه أعداء الإسلام من أجل المرأة العربيّة والمسلمة كي يُلحقوها بالمرأة الغربيّة، لتخريب المجتمعات الإسلاميّة، وإفساد الأُسر المسلمة، كي تُصبح المرأة العربيّة والمسلمة كالمرأة الأجنبيّة والغربيّة لا تَرُدُّ يد لامسٍ، وليس لزوجها قوامةٌ عليها، وليس لوليها سلطة”([83]).

      بالنتيجة؛ يتأسس الخطاب السياسي النظري للسفلية المحافظة على رؤية طهورية للمجتمع والدولة، ويتوافر على يقين قاطع حول آليات التغير ومقاصده؛ فالقاعدة المجتمعية هي الأساس في عمليات التغيير الشامل، والسياسي جزء منه، ففي معرض بيان منهجه السياسي في التغيير والرَّد على الاتجاهات السلفية الجهادية يقول الألباني ” هبوا أن الحكام كفار كفر ردة، ماذا يمكن أن تعملوا؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا مع الأسف ابتُلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟ [p25] 

    ”هلَّا تركتُم هذه الناحية جانبًا، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم الحكومة الإسلامية… هل يكون الطريق بإعلان الثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون أنَّ كفرهم كفر ردة، ثم مع ظنهم – وهو ظنٌّ خاطئ – لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا! ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدندن حوله، ويذكر أصحابه به في كل خطبةٍ “وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ” فعلى المسلمين كافة، وخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهو ما نكني نحن عنه بكلمتين حقيقيتين: (التصفية والتربية)..

  “إذن، لا بدَّ أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام كما بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن نحن لا نقتصر على التعليم؟ لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، ولا يمت إليه بصلة… فلذلك كان الواجب على الدعاة أن يبدؤوا بتصفية هذا الإسلام لما دخل فيه؛ والشيء الثاني  غقتران هذه التصفية بتربية الشباب المسلم النّاشئ على هذا الإسلام المصطفى”([84]).

   المنهج السلفي المحافظ في الإصلاح والتغيير تمهيداً لقيام الدولة الإسلامية يقوم على رؤيةٍ إحيائيَّة تقوم على أساس العناية بالهوية والحفاظ عليها، عبر عمليات واستراتيجيات تهدف إلى تنقية المجتمع وتطهيره من البدع والشركيات، وتحارب المنكرات، وتقوم بالواجبات، باعتبارها القاعدة التي لا بد أن تكون مرَّت بعمليات تصفوية تربوية تؤهلها للدخول في العمل السياسي المباشر، التي حتمًا ستؤدي في النهاية إلى قيام الدولة.

     إلا أن تلك الرؤية تبدلت، جزئيا، عقب وفاة الألباني، إذ أصبحت السلفية المحافظة، بعد مخاضات وانشقاقات، تنحو في سياساتها نحو الاقتراب من السلطة، من خلال إصدار فتاوى سياسية تتوافق مع التوجهات الرسمية في سائر القضايا السياسية الشائكة.

   فقد أصدر شيوخ السلفيين مئات الفتاوى التي تندرج في هذا السياق[85]، ونشروا عدة رسائل وكتب في طاعة أولي الأمر، وفق تحالف هش يقوم عل المنافع المتبادلة، فيما يشبه الصفقة التي تقوم بموجبها الدولة بالسماح للسلفية التقليدية بممارسة أنشطتها الدعوية بحرية تامة، وغض الطرف عن انحرافاتها، مقابل أن تكون السلفية المحافظة بمثابة وكيل قليل الكلفة بالتصدي لخصومها السياسيين الإسلاميين المزعجين؛ كالجهاديين، والحركيين، فضلا عن إشاعة سسيولوجيا أمل للفقراء والمهمشين بالخلاص الفردي الأخروي تخفف عن الدولة جزءا من أعباء مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

    بيد أنّ سياسات التحالف بين السلفية المحافظة والدولة[86]، لا تقوم على أسس راسخة بعيدة المدى ذات تماثل فكري أو سياسي أو أيديولوجي. بل تقع في إطار التحالفات المؤقتة قصيرة المدى، كما حصل في فترات تاريخية سابقة مع جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة التيارات اليسارية والقومية.

     والحال أنّ العلاقة بين السلفيين والدولة لا تخضع لاستراتيجية شمولية تكاملية في إعادة تدبير الحقل الديني، من خلال أجندة إصلاحية وطنية تعيد إنتاج الحقل الديني والسياسي، وفق منظور للإصلاح يعمل على دمج سائر القوى السياسية الفاعلة بمختلف مكوناتها الإيديولوجية، ويقوم على أسس متينة تستند إلى تحقيق العدالة والمشاركة السياسية.     

 

    رؤية العالم بـ”عيون سلفية”: غلبة الهوية الدينية

    يرى السلفيون المحافظون العالم من منظور “ثنوي” جذري، وفق منطق الصدام الذي ينطوي على قيم الخير والشر.

    الذات الإسلامية النقية، وفقاً للسلفيين، تحمل خيرًا مطلقًا لا مجال للتشكيك فيه، بينما الذات المغايرة الأخرى المعاصرة، ذاتٌ خربة قوامها الغش والفسق والنفاق والخداع، وتنطوي على شر ينبغي الهروب منه، والعمل على التخلص من الولوج في ألاعيبه.

    لذلك، فخطاب السلفية المحافظ ينأى عن الإشتغال بالسياسة المعاصرة، ويتبنى رؤية سياسية تولي اهتمامها للمسألة الدينية عقديًا وتشريعيًّا من خلال الالتفات نحو المجتمع وليس الدولة؛ فالمجتمع بأفراده هو الهدف الأساس لرسالة السلفية المحافظة، أما الدولة ومؤسساتها فالأولى الابتعاد عنها وعدم التلبس بها.

     ويتوافر الخطاب السلفي المحافظ على رؤيةٍ للعالم والدولة والمجتمع، ترى فيه انحرافًا عن الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح؛ إذ يرى أحد دعاتها أن السموم التي أنهكت قوة المسلمين وشلت حركتهم، ونزعت بركتهم ليس هي سيوف الكفر التي اجتمعت على الكيد للإسلام وأهله ودولته، وإنما هي الجراثيم الخبيثة التي تسللت إلى داخل جسم العملاق الإسلامي على فترات بطيئة، ولكنها متوالية، وأكيدة المفعول([87]).

   ويرى سليم الهلالي أن حصوننا مهددة من الداخل “لكيلا تستيقظ الأمة الإسلامية على وخز الإبر السامة المحقونة بالجراثيم الفاتكة وإمعانًا في تضليلها… فقد قام أئمة الكفر بإقامة مصانع داخلية لإفراز السموم من الداخل… وهذا ما يخطط له الأسياد من الفرنجة واليهود، وينفذه العبيد من الرويبضات الذين استنسروا في أرضنا… ولم تزل جموع الضلالة ترفع عقيرتها إلى يومنا هذا تدعو إلى جهنم – عياذًا بالله -؛ فها هم دعاة الديمقراطية يصرخون، وهاهم أرباب الاشتراكية ينهقون، وهاهم أولياء القومية ينبحون… والناس وراءهم يلهثون، لأنهم لم يستنيروا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ربوة ذات قرار مكين”([88]).

وبحسب السفلية المحافظة فإن الواقع السياسي للعالم الإسلامي ، مأساويٌّ بسبب ضعف المسلمين لانحرافهم عن الكتاب والسنة، ولوجود مؤامرات دوليَّة تحاك ضدّ الأمة تهدف إلى إفسادها ونهب ثرواتها؛ فالشيخ الألباني يؤكد هذا المعنى؛ حين يقول – معلِّقًا على الحديث النبوي: “ستكون معادن يحضرها شرار الناس”  ”ومما لا شك فيه أن شرار الناس إنما هم الكفار، فهو يشير إلى ما ابتلي به المسلمون اليوم من جلبهم للأوروبيين والأمريكان إلى بلادهم العربية لاستخراج معادنها وخيراتها، والله المستعان”([89]).

   إلا أن الألباني مع تأكيده على معاني ذلّ الأمة الإسلامية واستبعادها من قبل الخارج، فهو يؤكد على أهمية العامل الداخلي، إذ يُشدد على القول ” ليست علة بقاء المسلمين فيما هم عليه من الذلّ واستعباد الكفار- حتى اليهود- لبعض الدول الإسلامية، هي جهل الكثيرين من أهل العلم بفقه الواقع، أو عدم الوقوف على مخططات الكفار ومؤامراتهم كما يتوهم”([90])، فمعرفة الواقع متيسرة، “وإنما العلة … هي إهمالهم العمل بأحكام الدين؛ كتابًا وسنة”([91]).

    ويؤكد علي الحلبي على الرؤية التآمرية للعالم فهو يقول ” إن ما تصدره وسائل الإعلام الغربية سواء ما كان بالتلفاز أو المذياع، أو المجلات أو وكالات الأنباء، فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين، والكيد لهم، والتخطيط لكبتهم، لا يخرج عن مقصودين، لا بد من تحقيق أحدها لهم أو كليهما: “الأول: شغل المسلمين بقضية في الشرق بينما هم يكيدون في الغرب، لصرفهم عن حقيقة المكيدة التي يخططون لها، ويدبرون لتنفيذها!. والثاني: تعظيم أنفسهم في قلوب المسلمين، بأنهم دهاة ومخططون ومفكرون ولا يفوتهم شيء!. ومسيطرون… فكيف بعد هذا كله نغتر بتحليلاتهم”([92]).

  وبحسب السلفية المحافظة، فإن تقليد الكفار، واتباع سبيلهم ومنهاجهم أحد أسباب التخلف والتبدع والكفر، وكل النظم السياسية الغربية لا حظ لها في الإسلام “ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الغايات والوسائل تكفي الأمة، لكن السبب الذي يحمل بعض الناس الذين يجيزون لأنفسهم ابتكار وسائل، بل الصواب أن أقول: يجيزون لأنفسهم أن يقلدوا الكفار في الوسائل التي هم يتخذونها لتحقيق ما يسمى إما بالديمقراطية -زعموا- أو بالعدالة الاجتماعية، أو نحو ذلك من الألفاظ التي لا حقيقة لها، فهم -أعني بعض المسلمين- يجيزون لأنفسهم أن يقلدوا الكفار في هذه الوسائل. نحن ربنا –عز وجل- أغنانا بشريعتنا على التفصيل الذي سبق بيانه آنفًا، أن نكون عالة على الكفار. فنحن إذا ما سلكنا سبيلهم فنكون قد أعرضنا عن سبيل المؤمنين، واتبعنا سبيل الكافرين والمشركين”([93]).

   ولعلَّ المطالع لأعداد مجلة “الأصالة”، الناطقة باسم السلفية المحافظة، يفزع من الخطاب التآمري الذي لا يخلو منه عدد، فقد علقت هيئة التحرير تحت عنوان “أحوال العالم الإسلامي” بالقول: “كشر بنو الأصفر عن أنيابهم، وطووا صفحة ديمقراطيتهم المكذوبة، وأبدوا مكنون قلوبهم .. إنها الدعاوى الكاذبة، واليافطات الفاجرة… يتفاخر بها ساسة الغرب في كل شيء إلا الإسلام والسلام”([94]).

     ولا يختلف الأساس النظري للسلفية المحافظة الألبانية في رؤيتها للعامل الخارجي عن الداخلي؛ فالموقف من الجماعات والأحزاب الإسلامية المعاصرة والتعامل معها يستند إلى تراث أهل الحديث، وصراعهم مع الفرق والمذاهب الإسلامية التاريخية.

   وكرست السلفية المحافظة وظيفتها الدعوية بحراسة وإعادة إحياء وإنتاج خطاب أهل الحديث، فهي تسعى إلى تطبيقه على الواقع المعاصر، فالعودة إلى صورة الإسلام المتخيل النقي تتحكم بمفاصل الخطاب، وتعمل على تشكيله وتكوينه، فهناك إسلام واحد غير متعدد، وفهم واحد لا يختلف، ولا سبيل إلى التعدد والاختلاف.

    تلك الرؤية الأُحادية أنتجت فكرًا تقليديا يتسم بالجمود والانغلاق، أو خطابًا عنيفًا لفظيا وكفاحيًّا منهجيا يناضل من أجل الحفاظ على نقاء الهوية الإسلامية المتخيلة دون الاعتبار للمسألة التاريخية والتطورات المجتمعية واختلاف الأزمنة، ومن دون النظر لبنية اللغة وطبيعتها الاختلافية الحوارية، فبحسب القراءة السلفية المحافظة ثمّة نص بدلالة واحدة، وواقع لا يتغير، وعقل لا يتعدد، ولا موجب للخلاف والاختلاف، هذه الرؤية أنتجت رؤية ثنوية للعالم تدور بين قيم الحق والباطل، والخير والشر، والسنة والبدعة، وغيرها من الثنويات التي لا تنتهي، وهذا الخطاب لا يزال يشتغل على تأسيس الافتراق بذريعة الاجتماع، فالأحزاب والجماعات الإسلامية التاريخية والمعاصرة تقع في دائرة الفرق الهالكة، أما الفرقة الناجية فتمثلها الطائفة المنصورة من أهل الحديث.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-6-

“الحرب الفكرية” على  الإسلاميين:

هيمنة مشروع “الفرقة الناجية”

     يتحدد موقف السلفية المحافظة الألبانية من الأحزاب والجماعات الإسلامية المعاصرة من خلال الرؤية الكلية المؤسسة للاجتماع والافتراق، وهي رؤية تقوم على الاعتقاد بوجود خط مستقيمٍ أصيلٍ نقيٍّ لا يجوز الانحراف عنه. ويُعتبر حديث إفتراق الأمة تأسيسيًّا في هذا المجال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة”، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه بزيادة: ” كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة”.

    لذلك، فإن الجماعات والأحزاب الإسلامية المعاصرة تدخل في نطاق الفرق الهالكة فهو يؤكد على ذلك بقوله: “ولا يخفى على كل مسلم عارف بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم، أن التحزب والتكتل في الجماعات مختلفة الأفكار أولًا، والمناهج والأساليب ثانيًا، فليس من الإسلام في شيء”.

    وبحسب الترسيم الحدّي للسلفية المحافظة؛ فإن القسمة لا تحتمل أكثر من فريقين وحزبيين، واحد لله والآخر للشيطان، فالألباني يؤكد على أنه ” ليس هناك حزب ناجح إلا حزب الله الذي حدثنا عنه القرآن، فإذا كل حزب ليس هو حزب الله، فإنما هو من حزب الشيطان وليس من حزب الرحمن”([95]).

    الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، كما يرى أتباع السلفية المحافظة، لم تتحقق إلا في أهل الحديث وأتباع السلف؛ فالشيخ سليم الهلالي يقول “لقد بحثنا في الفرق قديمًا وحديثًا فلم نجد أحدًا اجتمع على موافقة رسول الله الكريم إلا أهل الحديث وأتباع السلف، فهم على قدم الرسول وأصحابه رضي الله عنهم – عقيدةً وسلوكًا وتربيةً ودعوةً وسياسةً – سائرون، وبهذا تتضح معالم منهج الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة“([96]).

    ويؤكّد  الهلالي على شيطانية التحزب وآثاره بقوله ” وهكذا أدرك حزب الشيطان المقتل الذي عرفه آل فرعون وجنوده، فتواصوا بالإفساد، وأخذوا يحوِّلون المجتمعات إلى شراذم غارقة في التفرق والحزبية، مشغولة ببعضها بعضًا كي لا تفيق، فتعرف الطريق”([97]) .

    ويتوصّل إلى نفس النتيجة الشيخ محمد موسى نصر فهو يقول: “القرون الخيرة لم تشهد المذهبية ولا الحزبية، وإنما طرأت هذه الاختلافات والانتماءات بعدها”([98]) ، ويلخص آفات التجمع والتحزب بالولاء والبراء للحزب والتعصب له، وحجبها للإسلام، والتعصب والدخول في العمل السياسي، وأنها بدعة أو سببًا في التسليط على المسلمين، وأنها مظنة الفرقة والاختلاف، والانغلاق والجمود، وأنها مخالفة لمنهج السلف الصالح، وتفتقر إلى الطريق القويم في عملها الدعوي والجماعي“([99]).

    ويرى الشيخ محمد إبراهيم شقرة أن الجماعات الإسلامية امتداد للفرق الهالكة، وأن الحزبية نكوص عن طريق الإسلام، فهو بحسب استقرائه وتجربته يقول: “من يستقري تاريخ الإسلام، يعلم يقينًا أن الفرق التي عرفت ليست من أهل السنة والجماعة، بل هي كلها من الفرق الضالة، ولا عذر لمن يجعل غياب الإمام سببًا في التفكير في أي صورة من صور التجمع الحزبي، وأن التأويل الذي وقع فيه المتحمسون للنصوص العامة، مريدين به إثبات مشروعية العمل الحزبي الجماعي، لا يهدي إلى صواب الحق”([100]).

   ويؤكّد الشيخ علي الحلبي، في باب تحريم الحزبية على مفاسد التحزب ومخالفته للإسلام، وذلك لأن “الإسلام لا يتحمل في داخله تنظيمًا آخر، بحيث تكون أسس ذلك التنظيم وقواعده أساسًا للولاء والبراء…، فالحديث يفيد أن التحزب والافتراق إلى جماعات وأحزاب أمر لا يطابق معنى الإسلام ولا يتصور منه”([101]).

   الرؤية السلفية للأحزاب لا تخرج عن التبديع والتضليل، وهي داخلة في سياق الفرق الهالكة؛ فالألباني يؤكد على ذلك بقوله: “هذه الأحزاب لا نعتقد أنها على الصراط المستقيم، بل نجزم بأنها على تلك الطرق التي على رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه”([102]).

    وبحسب الألباني، فإن هذه الجماعات لا تقوم على أساس منهج السلف، وإتباع الكتاب والسنة، «إن أي حزب أو تكتل من التكتلات الإسلامية لم تقم جماعتها، ولم تقم أحزابها على كتاب الله وعلى سنة رسوله الله فضلًا عن إقامتها على منهج السلف الصالح، فهو في ضلال مبين، ولا شك أن أيَّ حزبٍ لا يقوم على هذه المصادر الثلاثة، فستكون عاقبة أموره خسرًا»[p26] ([103])، ولذلك فإن أساس التجمع والعمل الجماعي يغاير منهج الجماعات الإسلامية المختلفة، فما هي أسس التجمع والعمل لدى أتباع هذا التيار؟.

 

      الموقف السلفي العام تجاه الجماعات الإسلامية

   المتتبع لمسارات السيرورة والتشكل للسلفية المحافظة يلاحظ إختلافًا وتطورًا لمواقفها حول مشروعية العمل الجماعي، وموقفها من العمل التنظيمي، والتعاون مع الجماعات والأحزاب الإسلامية.

ففي مرحلة مبكرة كان الشيخ الألباني يبدي تعاونًا مع بعض الجماعات الإسلامية، كالإخوان المسلمين في سورية، ثم الأردن فقد كان يلقى دروسه في شعب الإخوان، وكانت له علاقة وطيدة مع رجالات الإخوان([104])، وتميَّز موقفه من الجماعات الإسلامية في سورية، قبل أن يستقر في الأردن باللِّين والمرونة وتقديم النصح والتعاون. فهو يؤكد في تلك المرحلة تأييده لقيام جماعات إسلامية، ويقول بمشروعيتها “إنني أؤيد قيام الجماعات الإسلامية، وأؤيد تخصص كل جماعة منها بدور اختصاصي سواء أكان سياسيًّا أم اقتصاديًّا أم اجتماعيًّا، أو نحو ذلك، ولكني اشترطت أن تكون دائرة الإسلام هي التي تجمع هذه الجماعات كلها… أدعو المسلمين جمعًا إلى أن يرجعوا إلى دينهم الصحيح، وإلى الاعتماد في ذلك على الكتاب والسنة أولًا، وعلى السنة الصحيحة ثانيًا، وأصرُّ على هذه الدعوى… أقول هذا وأنا أتذكر السنوات الطوال التي عشتها في سوريا، وكان يحضر دروسي خلالها أعضاءٌ من الإخوان، ومن حزب التحرير، ومن جماعة التبليغ، ومن المذهبيين… فيكف نُتّهم بعد ذلك بمحاربة الجماعات الإسلامية”([105]).

     بل أفتى الألباني بوجوب العمل الجماعي من دون تحزُّب، فهو يقول ” التكتل والتجمع في سبيل العمل بالإسلام الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أمرٌ واجبٌ لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان – كما يقال -، بل لن تقوم قائمة المسلمين، ولن يتحقق المجتمع الإسلامي، ولن تقوم الدولة الإسلامية إلا بمثل هذا التجمع، ولكن شرطه أن لا يكون عصبيةً لشخصٍ أو طائفة دون أخرى، وإنما يكون التعصب لله فيما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهج السلف الصالح”([106]).

     العمل الجماعي المبنيّ على التعاون لا ينكره الشيخ الألباني، بل يحُض عليه فهو يؤكد على أن العمل الجماعي ليس هناك مجال لإنكاره، وإذا لم يقترن بالتحزب والعمل الجماعي يشمله عديد من الآيات الكريمة: “وكونوا مع الصادقين”، “ولا تحاضون على طعام المسكين”، “وتعاونوا على البر والتقوى”، فمثل هذا التعاون الجماعي ليس هناك مجالٌ لإنكاره إطلاقًا، لأن الإسلام قائم على هذا التعاون([107]).

     إلّا أن هذا العمل الجماعي المبني على التعاون يجب أن يكون على أساس الكتاب والسنة الصحيحة. ولا يعمل على بثّ الخلاف والفرقة بين المسلمين، فهو يعلق على قوله تعالى: ” ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون” بقوله ” لا يخفى على كلِّ مسلمٍ اليوم كثرة الأحزاب المنتشرة في العالم الإسلامي، وأن لكل حزبٍ منهجه ونظامه، وأن هذه الأحزاب متنافرة متباغضة على خلاف المقصود من التكتل والتجميع الإسلامي، لكلٍّ منهاجه، ولكلٍّ رئيسه، ولكلٍّ طائفته، وكل هذه الطوائف لا تلتقي بعضها مع بعض”([108]).

    ويشترط الألباني الالتزام بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح لكل تجمع، ومع ذلك كان متساهلًا في هذا الشرط في فترة سابقة، ثم عاد في آخر حياته إلى التشدد حين يقول ” هذه الأحزاب لا نعتقد أنها على الصراط المستقيم، بل نجزم بأنها على تلك الطرق التي على رأس كل منها شيطان يدعو الناس إليه”([109]).

   أما الشيخ علي الحلبي فهو يؤكد على بدعية وحرمة الحزبية والتحزب ما لم تتوافر على منهج سلفي، فهو يقرر بأنه “لا مكان لتحزبات، وتفرُّق وتمحور… إنما الالتقاء على المنهج، والالتفاف حول السبيل المستقيم، والصراط البين الرشيد”([110]).

      ويتفق أنصار وأتباع السلفية المحافظة على وجوب التعاون بين المسلمين على أُسس صحيحة، وهي في نهاية المطاف الإلتزام بمفهوم السلفية لأسس التجمع، أما التحزب فقد استقر الأمر لدى الجماعة على القول بحرمتها وبدعيتها، ولعل هذا الموقف يأتي من الموقف العام للسلفية الألبانية من العمل السياسي؛ فالسلفية الألبانية ترى أن العمل السياسي المعاصر لا بدّ من الابتعاد عنه، والاشتغال في سياسات تقوم على أساس “التصفية والتربية”، حتى يصبح المجتمع جاهزًا للدخول في أفق السياسة المباشرة والدولة الإسلامية.

    وفقاً لذلك، فإنّ استئناف الحياة الإسلامية كهدف معلن للسلفية الألبانية، لا يعني الاشتغال بالسياسة بالمعنى المعاصر، فالواجب بحسب الرُّؤية الألبانية يُحتم الاشتغال بأفراد المجتمع تصفية وتربية.

   أمّا الرؤية المؤسسة للعمل والجماعة والحزب فتقوم على أسس نظرية تتبنى نهجًا صارمًا في تفهم  الإسلام، ورؤية ثنوية للعالم.

    إذن، يتسم موقف السلفية المحافظة من الجماعات الإسلامية المعاصرة بالاحتكام إلى جملة من المعايير أبرزها مسألة التوحيد والعقيدة، وفق الرؤية السلفية، ومفهوم الفرقة الناجية، ومشروع محاربة البدع، وهو موقف أقرب إلى الرؤية الأحادية الثنوية، التي ترى الأمور إما بيضاء أو سوداء.

    وعلى ذلك، تدخل أغلب الجماعات الإسلامية المعاصرة، كالإخوان المسلمين وحزب التحرير أو جماعة التبليغ والسلفية الجهادية في إطار الفرق الهالكة والمبتدعة.

    

    الموقف من جماعة الإخوان

    موقف الشيخ الألباني من الإخوان مرَّ في مرحلتين؛ الأولى: عندما كان في سورية، وقد تميزت العلاقة في هذه المرحلة بالوُدِّ والتعاون، مع أنه لم ينتظم في صفوف الجماعة، وكان يلقى دروسه في عددٍ من مراكز الإخوان في سورية والأردن، وكان يكتب مقالاته في صحف ومجلات الجماعة، وخصوصًا مجلة “التمدن الإسلامي”([111])، وهو يتذكر هذه المرحلة بقوله: “وأنا أتذكر السنوات الطوال التي عشتها في سوريا، وكان يحضر دروسي خلالها أعضاء من الإخوان، ومن حزب التحرير، ومن جماعة التبليغ، ومن المذهبيين، وفي هؤلاء من يصرح بتتلمذه عليَّ[p27] ، ويقر بالفضل، فكيف نتهم بعد ذلك بمحاربة الجماعات الإسلامية”([112]).

    وموقف الألباني أكثر مرونة تجاه الإخوان من غيرهم من الجماعات “أؤيد قيام الجماعات الإسلامية، وأؤيد تخصص كل جماعة منها بدور اختصاصي سواء أكان سياسيًّا أم اقتصاديًّا أم اجتماعيًّا، أو نحو ذلك، ولكني اشترطت أن تكون دائرة الإسلام هي التي تجمع هذه الجماعات كلها”([113]).

  ذلك الموقف شهد تغيُّرًا نوعياً، بعد أن استقر الشيخ الألباني في الأردن عام 1980، فقد تحولت علاقته الودية مع الجماعة، إلى خلافٍ أدَّى إلى إصدار الجماعة بيانًا بالتحذير من حضور مجالس الألباني والتهديد بفصل من يحضر ،وكان في تلك الفترة يقيم دروسه في شعبها ومراكزها المختلفة ([114]).

   يقرر الألباني فشل الإخوان، والسبب يكمن في عدم فهمهم لحقيقة الإسلام ومنهج السلف الصالح وفقدان التناصح بينهم ” الإخوان المسلمون ينطلقون من هذه القاعدة التي وضعها رئيسهم الأول أقصد (حسن البنا) على إطلاقها، ولذلك لا تجد فيهم التناصح… الحقُّ كما تعلم ضدُّ الباطل، والباطل أصوليٌّ وفروعيٌّ، كل ما خالف الصواب فهو باطل، هذه العبارة هي سبب بقاء الإخوان المسلمين نحو سبعين سنة عمليًّا بعيدين فكريًّا عن فهم الإسلام فهمًا صحيحًا، وبالتالي بعيدين عن تطبيق الإسلام عمليًّا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه”[115]).

     وتعتبر مسألة البيعة لدى الجماعات الإسلامية والإخوان على وجه الخصوص أحد المسائل التي حكمت موقف الألباني من الإخوان المسلمين، فالبيعة لدى هذه الجماعة تعتبر بدعة منكرة.

    استحوذت مسألة البيعة على اهتمام كبير لدى أنصار السلفية التقليدية في موقفها من الجماعات الإسلامية باعتبارها بدعة؛ فالشيخ علي الحلبي ألَّف رسالة حول البيعة، توصَّل إلى بدعيتها وعدم مشروعيتها، وأنّ هذه البيعة أحد أسباب التفرق والتشرذم، وشنَّ حملةً واسعةً على الإخوان([116]).

    أما الشيخ سليم الهلالي فقد لخص انحراف الإخوان بثلاث نقاط أساسية؛ أولًا: البدع العقدية، ويتفرع منها تمجيد التصوف ونفي الصفات. وثانيًا: التمذهب، وترك الاتباع. وثالثًا: الاستقطاب في التنظيم على أسس غير شرعية([117]).

      ولعل الهجوم الأكبر للسلفية الألبانية على الإخوان المسلمين كان من نصيب أحد رموزها وهو سيد قطب، فقد صدرت مؤلفات عدَّة في نقد المنهج الإخواني القطبي وصلت حدّ الاتهام بالكفر والمروق من الدين، وكان الألباني في مرحلة مبكرة يثني على سيد قطب، ويصفه بالأستاذ الأديب، إلا أنه في المرحلة الأخيرة كان أشد انتقادًا وأكثر حدة في مواقفه، أما أتباعه فقد وصفوه بأقذع الأوصاف من البدعة والضلال إلى الكفر والردة والمروق([118]).

   وعلى الأغلب يتسم موقف السلفية الألبانية من الإخوان المسلمين بالعنف في الرَّد والقسوة في الخطاب، فالإخوان مندرجون في خانة الفرق الهالكة والمبتدعة من أهل الأهواء، فهم متصوفة في العقائد، مبتدعة حزبيون في العمل، ويفتقرون إلى رؤية سلفية شمولية، وهم لا يتقيدون بفقه الدليل ومنهج الاتباع، فالمذهبية المتعصبة أحد مثالبهم، وفهمهم للتّوحيد، لا يستند إلى فقه السلف، وينتمون إلى حظيرة التصوف المذموم، والفرق الهالكة من الأشاعرة والمعتزلة في مسائل التوحيد والصفات، ومنهجهم في التكتل مخالف للسنة، والبيعة التي يلزمون بها أعضاءهم وأنصارهم تقع على دائرة البدعة والهوى.

    

   الموقف من جماعة التبليغ:

    ترى السلفية المحافظة بأنّ جماعة التبليغ من الفرق الهالكة المبتدعة. الشيخ الألباني أفتى بعدم جواز الخروج مع الجماعة، واعتبرها خارجةً عن منهج الكتاب والسنة “جماعة التبليغ لا تقوم على منهج كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلفنا الصالح، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الخروج معهم، لأنه ينافي منهجنا في تبلغينا لمنهج السلف الصالح، وهم لا يُعْنَون بالدعوة إلى الكتاب والسنة كمبدأٍ عام، بل إنهم يعتبرون هذه الدعوى مفرقة، ولذلك فهم أشبه ما يكونون بجماعة الإخوان المسلمين، فهم لا عقيدة تجمعهم”.

     يعتبر النص السابق خلاصة واضحة لموقف السلفية الألبانية عمومًا من جماعة التبليغ؛ فسليم الهلالي وعلي الحلبي ومشهور حسن ومحمد موسى نصر، يكرّرون المنطق ذاته والحجج نفسها، بأنّ جماعة التبليغ لا تلتزم بمنهج السلف الصالح، وتتوافر على بدع خطيرة، ومنهجٍ صوفيٍّ فاسدٍ، ومذهبٍ بدعيٍّ واهٍ.

    

      الموقف من حزب التحرير:

       يعتبر موقف السلفية المحافظة من حزب التحرير الإسلامي من أكثر المواقف حدَّةً وصرامة. إذا يعتبرهم الشيخ الألباني أفراخ المعتزلة أو المعتزلة الجدد، فهم يستخدمون العقل ويحكمونه في اجتهاداتهم ومواقفهم ونهجهم على خلاف الكتاب والسنة، ويقعون في دائرة الابتداع، وينطبق عليهم وصف الفرق الهالكة.

     ففي معرض نقده للحزب وبيان فساد منهجهم، وضلال عقيدتهم يقول الألباني ” هذه حقيقة يغفل عنها كل الأحزاب الإسلامية المعاصرة، كشأن من سبقها من الفرق الضالة، وبخاصة منها حزب التحرير، الذي يتميز عن أي حزب إسلاميٍّ آخر، أنه يقيم للعقل البشري وزنًا أكثر مما أقامه الإسلام له، من هنا نضع نقطة في دعوة حزب التحرير أنهم تأثروا بالمعتزلة في منطلقهم في طريق الإيمان، وطريق الإيمان هو عنوان بحث لهم في كتاب نظام الإسلام، الذي ألّفه رئيسهم تقي الدين النبهاني – رحمه الله تعالى -، وقد ألتقيت به أكثر من مرة، وأنا عارف به تمامًا، وعارف بما عليه حزب التحرير، أول نقطة تؤخذ عليهم، أنهم جعلوا للعقل مزيَّةً أكثر مما ينبغي، من هنا انحرف المعتزلة قديمًا؛ فأنكروا حقائق شرعية كبيرة وكثيرة جدًا، بسبب أنهم سلطوا عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، فحرَّفوها، وبدلوا فيها وغيَّروا، وبتعبير علماء السلف: “عطّلوا نصوص الكتاب والسنة”، ولذلك نكتفي بما بيناه حول قاعدتهم الضّالة، والتي تقول: “ليس للمسلم أن يبني عقيدته على حديث صحيح، ليس قطعي الثبوت، لكنه قطعي الدلالة”، فمن أين لهم هذا؟ لا دليل عليه من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف! بل ما كان عليه السلف ينقض هذا، وهذه الفكرة تبناها بعض الخلف، وهم المعتزلة قديمًا، وأتباعهم المعاصرون في العقيدة على الأقل، وهم (حزب التحرير)”([119]).

    

    المعركة مع السلفية الجهادية:

     يتميز موقف السلفية المحافظة من التيارات والجماعات السلفية الجهادية بالعنف الفكري والخطابي. وذلك لاشتراكها معها في الأصول النظرية، وانتمائها إلى المدرسة السلفية بخطوطها العريضة، فكلاهما يتبنى منهجًا يقوم على القول بضرورة العناية بمسائل التوحيد والعقيدة والأصول، وينادي باتباع الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، ويطالب بالتزكية.

  إلّا أن السلفية الجهادية التي نشطت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وازدهرت خلال عقد التسعينيات، وانتشرت مع بداية القرن الحادي والعشرين، تمكنت من استقطاب عددٍ كبيرٍ من أنصار السلفية المحافظة وغيرها من السلفيات الإصلاحية، وخاضت تجارب متنوعة في أقطار العالم الإسلامي وصلت إلى حد التكفير والتفجير، ومواجهة الأنظمة داخليًّا، وشن هجمات خارجية أسفرت عن ولادة تنظيم القاعدة وتنفيذها لهجمات عنيفة في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001.  ثم عملت على إنشاء فروع لها في العالم العربي كالعراق والمغرب والسعودية واليمن وغيرها من الأماكن، مع بقائها مركزيًّا في أفغانستان وباكستان.

      الموقف السلفي المحافظ من السلفية الجهادية لا يوازيه أيّ موقف من الجماعات الإسلامية الأخرى، فقد تبادل كلا الطرفين اتهاماتٍ حول مسائل الإيمان أو العمل، في الوقت الذي تتهم السلفية الجهاديةُ التقليدية بالإرجاء في الإيمان، والمثالية في منهج العمل، وفق نظرية “التصفية والتربية”، التي تركز على تثقيف المجتمع قبل الدخول في العمل السياسي، وإقامة الدولة، فإن السلفية الجهادية ترى اتباع منهج التغيير بالقوة استنادًا إلى مفهوم الجهاد.

   يعتقد الشيخ الألباني أن فكر السلفية الجهادية يقوم على أساس فكر “الخوارج” في التكفير والتشدد، ” إن مسألة التكفير عمومًا لا للحكام فقط بل وللمحكومين أيضًا، هي فتنة عظيمة قديمة، تبنتها فرقة من الفرق القديمة، وهي المعروفة بالخوارج، ومع الأسف الشديد فإن البعض من الدعاة أو المتحمسين قد يقع في الخروج على الكتاب والسنة ولكن باسم الكتاب والسنة”([120])، ويرى أن “هؤلاء المكفرون المتشبثون بإخراج المسلمين من دينهم ليسوا من الفرق الناجية، وإنما هم من الفرق الضالة التي أخبر عنها رسول الله”([121]).

    وتعتبر مسألة “الحاكمية” أحد أهم المسائل التي بلورت موقف السلفية المحافظة من الجماعات الجهادية، وما تفرع عنها من القول بجهاد الحكام وتغيير الأنظمة؛ فالألباني يصف أتباع السلفية الجهادية بالغلو والتطرف والجهل، فهو يقول “نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها بالأصح أولئك الغلاة الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، أو سيظلون يعلنون تكفير الحكام، ثم لا يصدر عنهم إلا الفتن، والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها بدءًا من فتنة الحرم المكيّ، إلى فتنة مصر وقتل السادات، وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، بسبب هذه الفتنة، ثم أخيرًا في سورية، ثم الآن في مصر والجزائر – مع الأسف – كل هذا بسبب أنه خالفوا كثير من نصوص الكتاب والسنة”([122])

    أنتج أتباع السلفية المحافظة عشرات الرسائل والكتب في انتقاد الجماعات السلفية الجهادية، تستند في رؤيتها إلى الأصول النظرية والعملية من القول بأولوية الانشغال بـ”التصفية والتربية”، وترك الاشتغال بالعمل السياسي المباشر، وبدعية التنظيم والعمل الحزبي، فضلًا عن مسائل الإيمان والإرجاء، والحكم والحاكمية، والطاعة والخروج، والقتال والجهاد.

      ويتّسم موقف الطرفين، من بعضهما، بالعنف الخطابي، والاتهام المتبادل، الأمر الذي أدَّى إلى قطيعة تامة لا تزال تزداد عنفًا على الصعيد الخطابي، وفق آليات الجدل والسجال والردود في ظلّ غياب الحوار المنتج والاختلاف المحمود.

      

      في الخلاصة؛

     الاعتقاد السلفي المحافظ بوجود خطٍّ مستقيم يمثل الإسلام الصحيح يجب التمثل به، واتباعه دون تحريف أو تأويل أو تعطيل، نتج عنه قراءة حرفية ظاهرية لنصوص الكتاب والسنة من دون الاعتبار بالقراءات التأويلية المبدعة التي تستند إلى فهم مقاصد التشريع، وتاريخية الأحداث، ما أدَّى إلى مواقف عدائية تجاه الآخر.

      فالجماعات والأحزاب والحركات الإسلامية تقع في دائرة الابتداع والإحداث والضلال والهوى، فما ثَمَّ إلا جماعةٌ واحدةٌ لا جماعات، فالتعدد والتنوع بحسب السلفية الألبانية يدلُّ على الفرقة والنزاع والشقاق، والحزبية مرضٌ أصاب العالم الإسلامي، والاشتغال بالسياسة انحرافٌ خطيرٌ ولا سبيل إلى عودة الإسلام وعزة المسلمين إلا باعتماد منهج “التصفية والتربية” كطريقٍ وحيدٍ للنجاة من النار وتحقيق التوحيد، واستئناف الحياة الإسلامية وقيام دولة الشريعة.

    ويمكن القول بأن السلفية المحافظة بتوافرها على يقينٍ مطلقٍ بصحة منهجها، تمثل نموذجًا للحركات الإحيائية الأصولية؛ فالرؤية الأحادية للعالم والنص والإنسان، أنتجت عقلية ثنويّة بامتياز، فثنائيات التوحيد والشرك، والاتباع والابتداع، والخير والشر، تتحكم في مفاصل الخطاب السلفي التقليدي، وتؤسس لموقفٍ عدائي تجاه الآخر، ينبني على المماثلة والقياس، فالإخوان المسلمين كأهل الكلام، وحزب التحرير كالمعتزلة، وجماعة التبليغ كالصوفية، والسلفية الجهادية كالخوارج، ولا سبيل إلى الدخول في أفق التوحيد والاتباع إلا بالتماهي مع الرؤية السلفية التقليدية، وإلا فإن الهلاك والضلال وعاقبة النار تنتظر من تنكب عن صراط السلفية التقليدية المستقيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-7-

الحضور الاجتماعي للسلفيين:

 مساحات الانتشار وصيغة العمل

    لا تظهر السلفية المحافظة في المجتمع كحركة منظّمة أو تنظيم هيراركي، كما هي الحال لدى الحركات والجماعات الإسلامية الأخرى كماعة الإخوان وحزب التحرير، إذ يحتفظ التيار لنفسه بصيغة فضفاضة هلامية، بعيدة كل الأبعاد عن أية زوايا تنظيمية.

   العلاقة داخل التيار تأخذ صورة الشيخ والتلاميذ، أو العالم وطالب العلم، وتبرز التجمعات السلفية من خلال حلقات الدروس العلمية التي يقيمها شيوخهم وخطب الجمعة والمحاضرات، التي تكشف بدرجة معينة، حجم التيار والمتأثرين به في المجتمع الأردني، ومناطق الانتشار والتوزيع.

   تقدّر مصادر شبه رسمية عدد أتباع السلفية، الذين يحسبون على التيار بصورة مباشرة، بحدود الخمسة آلاف، مع الإشارة إلى أنّ العدد متغيّر، صعوداً وهبوطاً، ولا يوجد ثبات في الأعداد، فيما يرجّح بعض المراقبين أن يتجاوز العدد ذلك إلى الضعف، مع عدم وجود أي مؤشرات دقيقة تمكّننا من القياس العلمي الرصين.

    وعلى الرغم من انتشار السلفيين في محافظات ومدن المملكة كافة، إلاّ أنّ كثافة انتشارهم وحضورهم تبدو في مدن ومناطق معيّنة، أقرب إلى الأردنيين من أصول فلسطينية، كعمان الشرقية والزرقاء والرصيفة، وإن كان لهم حضور أيضاً في مدن أردنية أخرى، كما هي الحال في الرمثا والطفيلة، وبدرجة أقل السلط والعقبة والكرك.

   يشير أسامة شحادة، المراقب للتيار والجماعات السلفية المختلفة والمتعددة، إلى أنّ السلفية المحافظة لم تعد تقتصر اليوم على تلاميذ الشيخ الألباني، الذين يتمركزون في مركز الألباني للدراسات، وخلف القيادات المعروفة في هذا التيار، إذ هنالك مجموعات تتمايز باليوم في تجمعها وعلاقاتها، وحتى في خطابها، وإن كانت لم تقدّم رؤى وأفكاراً جديدة بالكلية ومغايرة تماماً لـ”السلفية الألبانية”[123].

    ويلحظ مراقبون أنّ السلفية المحافظة تضم في جنباتها من مختلف الخلفيات الاجتماعية والطبقات الاقتصادية، والأصول والمنابت، ولا تقتصر على لون معيّن، وإن كان البعض يحيل الكثافة الكبرى ضمن الطبقة الفقيرة، لا الوسطى، والأغلبية الأردنية- الفلسطينية، لكن لا يوجد ما يفسّر ذلك، سوى أنّ نزعة التدين الحركي في المجتمع الأردني تأتي بالصورة الغالبة ضمن هذا التصنيف، أي الأردنيين من أصل فلسطيني، والطبقة الفقيرة وبدرجة قريبة المتوسطة (التي يغلب على شقها المهني والتكنوقراطي المزاج القريب من جماعة الإخوان المسلمين).

    تركز الدروس السلفية والعلاقات بين أفراد التيار على العلم الشرعي (الديني)، وهو أساس التمايز والصعود والتجنيد داخل التيار، وبذلك تحظى الكتب العلمية الدينية بأهمية قصوى بين الأفراد، وتأخذ دروس العقيدة والفقه والحديث منحى أقرب إلى “أدلجة المعرفة”، إذ تقوم على تمايز العقيدة والفتاوى السلفية عن الجماعات والمذاهب والفرق الأخرى، مما يجعل من أفراد التيار ذوي نزوع جدالي في التنشئة والتجنيد مع الفرق والتيارات الأخرى، منذ اللحظات الأولى التي يلتحق فيها أحدهم بحلقات الدروس أو المحاضرات المتعلقة بهذا التيار.

    ويمثّل اليوم مركز الألباني للدراسات المرجعية العلمية والمؤسساتية الرئيسة للتيار، إذ تصدر عنه مجلة الأصالة وينشر الفتاوى المعتمدة (بتوقيع شيوخ التيار) والمحاضرات الخاصة بهم، ويمثل بؤرة تجمع ولقاء وتواصل بين الأفراد.

   ويشير أسامة شحادة، المراقب للسلفيين، إلى دور من سمّاهم الصف الثاني من السلفيين، إذ لا تقتصر الدروس والمحاضرات على الصف الأول من القيادات والشيوخ، فهنالك اليوم صفٌ ثانٍ من أئمة المساجد والخطباء والمحاضرين وأساتذة الجامعات، وكلهم يساهمون في نشر الخطاب السلفي والتجنيد لزيادة أتباعه ومؤيديه.

     كما تمثّل شبكة الانترنت قناة مهمة وحيوية في التواصل بين السلفيين ونشر خطابهم وأفكارهم والتجنيد، ويخص شحادة بالذكر منتدى “كل السلفيين” يشرف عليه علي الحلبي، إذ يؤدي حالياً دوراً رئيساً في التواصل والحوار بين أفراد التيار، ومناقشة القضايا الساخنة والحيوية.

     قيادات الصف الأول تغيّرت منذ وقت المؤسس الألباني إلى اليوم، ففي مرحلة الألباني كان الرجل الثاني، إن جاز التعبير، هو محمد إبراهيم شقرة، الذي دخل في صدام شرس بعد وفاة الألباني مع باقي تلاميذ الشيخ حول بعض الفتاوى والأحكام ظاهرياً، لكن حقيقة الصدام كانت على الخليفة الشرعي للألباني.

   بعد ذلك تصدّر الصف الأول مجموعة أسماء هي: علي الحلبي، مشهور حسن، سليم الهلالي، مراد شكري، موسى نصر، حسين العوايشة.

  ثم أدّت التصدّعات والخلافات إلى خروج كلّ من سليم الهلالي ومراد شكري من القيادة المعتمدة، التي بات مركز الألباني بمثابة الموقع الرسمي لها، وأصبحت البيانات اليوم والفتاوى توقع بالأسماء التالية: علي الحلبي، مشهور حسن، حسين العوايشة، باسم الجوابرة، موسى نصر وزياد الزعبي.

    علي الحلبي ومشهور حسن لم يكملوا الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية، بينما كلّ من حسين العوايشة وباسم الجوابرة وزياد الزعبي وموسى نصر حاصلون على دكتوراه في الشريعة الإسلامية، وأغلبهم يدرّس في الجامعات.

    في داخل السلفية المحافظة لا تمثّل الشهادة الأكاديمية معيار البروز العلمي والمعرفي، أو معيار القيادة العلمية، بل يمثل علي الحلبي الشخصية الأبرز في التيار، وهو غير حاصل على أيّ شهادة أكاديمية، وكذلك كانت الحال مع مؤسس التيار الشيخ الألباني.

   إلاّ أنّ بعض المراقبين يلحظ اهتماماً جديداً بالشهادة الأكاديمية في صفوف السلفيين، وحرص العشرات منهم على إكمال دراساتهم العلمية إلى الدرجات العليا، وهي نقطة تحول في رؤية أفراد التيار، الذين لم يكونوا يعبأوون بالشهادات الأكاديمية سابقاً.

     يتّخذ أغلب أتباع السلفية المحافظة ملامح في المظهر تمايزهم عن غيرهم، وعن التيارات الإسلامية الأخرى، بدعوى أن تلك المظاهر التزام بالسنة النبوية في اللباس والعادات والعلاقات مع الآخرين.

    فالسمة الغالبة عليهم إطالة اللحى، وارتداء الثوب القصير، فوق كعبي القدمين، وعلى الأغلب الثوب العربي، والحديث باللغة الفصحى، والالتزام الديني الصارم، وفي أداء الصلوات في المسجد، وتحريم الأغاني والموسيقى والاختلاط، وعدم الاهتمام بالسياسة والإعلام (إلا قياداتهم)، والحرص على التمايز الاجتماعي في العادات والسلوك والمظهر.

   مسألة اللباس والعادات والسلوكيات، تمثِّل مفترقاً بين الجماعات والحركات الإسلامية في الأردن. ففي المقابل، فإنّ الإخوان وإن كانوا يهتمون في السلوكيات فإنّ اهتمامهم بإطلاق اللحى واللباس لا يتسم بحرص شبيه بالسلفيين، ويبدو أعضاء حزب التحرير أقل الأحزاب حرصاً على المظاهر والسلوكيات، فيما يقترب أفراد “السلفية الجهادية” كثيراً من المحافظين في الحرص على الالتزام الديني والسلوكيات والمظاهر، وإن كانوا يرتدون اللباس “الإسلامي”، بصورة مغايرة عن المحافظين، تقترب من الطريقة الباكستانية والأفغانية، وتتمثل بوجود قميص طويل، مع وضع غطاء الرأس بصورة ملفوفة.

    ويرى أسامة شحادة أنّه على الرغم من الاهتمام المتأخر للسلفيين بالإعلام والفضائيات إلاّ أنهم استفادوا كثيراً من هذا المجال في السنوات الأخيرة، إذ يظهر أغلب شيوخ السلفية التقليدية اليوم على فضائية الآثر، فيما تقدم فضائيات الناس والحكمة الخطاب السلفي المحافظ نفسه.

  

 

 

    ما وراء صعود السلفية؟

   ثمة إجابات متوافق عليها عن دور المال، القادم من السعودية القريبة جداً، في تعزيز النشاط السلفي ومنحه الدعم الكامل، من خلال الأشرطة والكتب وتشجيع الوعظ وحركة التأليف والنشر، وتبنّي عدد من القيادات من قبل المؤسسة الدينية السعودية.

   وهنالك، بلا شك، دورٌ كبير للأردنيين المغتربين في الخليج، وتحديداً في السعودية، وهم عشرات الآلاف، إذ يتأثرون بالخطاب السائد هنالك، وهو سلفي، وجزء كبير منه ذو طابع محافظ، مدعوم من الحكومات.

   فهؤلاء المغتربون يتشربون الأفكار السلفية ويتأثرون بها بصورة كبيرة، بالإضافة إلى طلاب الجامعات الإسلامية في السعودية، وقد درس مئات الطلاب الأردنيين العلوم الشرعية هناك.

    وفي رصد نمو السلفية وصعودها، فإنّ بداية مرحلة التسعينيات، بعد اجتياح الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت، شهدت رجوع مئات الآلاف من الأردنيين في الخليج، مما أدّى إلى قفزات كبيرة وملحوظة في الوجود السلفي بصوره وألوانه المختلفة، ومنها المحافظ، بدرجة نوعية وملحوظة في الأردن.

   لكن، ماذا يغري جيل الشباب في مجتمع، مثل المجتمع الأردني، وتحديداً من هم ذوي أصول فلسطينية: (يلتصقون بصورة مباشرة وفورية مع القضية الفلسطينية، بل مثقلة بالشحن السياسي اليومي) بتبني خطاب ديني وفكري والتماهي مع تيار يعلن بوضوح رفضه خوض المجال السياسي والتدخل فيه؟

    يجيب أسامة شحادة على هذا السؤال بأنّ الابتعاد عن الشأن السياسي ربما هو أكثر ما يغري هؤلاء، فكثير منهم لديه إحباط من السياسة وعدم شعور بإمكانية التغيير وعبثية الاهتمام بذلك، في حين يتغوّل الشأن السياسي بصورة كبيرة على الجماعات الإسلامية الأخرى البارزة، مثل الإخوان المسلمين وحزب التحرير والسلفية الجهادية، فتجد شريحة من جيل الشباب في السلفية وابتعادها عن الشأن السياسي ملاذاً آمناً من شعورها الدائم بالإحباط، وطريقاً آخر للوجهة الفكرية في التغيير، بعيداً عن الحلقة المفرغة في العمل السياسي.

    يعزز من الملاحظة السابقة، كما يقدّمها شحادة، أنّ السلفية المحافظة تمنح اهتماماً كبيراً استثنائياً، مقارنةً بالحركات والجماعات الإسلامية الأخرى، بالعلوم الشرعية (الإسلاميّة)، ما يجذب شريحة معينة من الشباب إليها، تتملّكها نزعة دينية لا سياسية، ولا تريد التورط في مشكلات وأزمات بسبب كلفة النشاط السياسي وعواقبه.

    في المقابل، فإنّ للعلوم الشرعية سطوةً كبيرة، إذ تمنح من يمتلكها “سُلطة” “المعلومة” و”الفتوى” و”المعرفة” بأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك يوفّر له حضوراً جيدّاً في المجتمع تعويضاً عن النشاط السياسي أو الحزبي.

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-8-

الدولة والسلفيون:

سياسات التوظيف والاحتواء في حدود “اللعبة الأمنية”

   تنظر الجماعات والحركات الإسلامية الأخرى إلى السلفيين المحافظين باعتبارهم “الطفل المدلّل” لدى الدولة، إذ لا يواجهون حرماناً أو منعاً من الوعظ والخطابة، كما أنّهم يتمتعون بفرص جيّدة في التوظيف والتعيين في الوزارات المعنية، كالأوقاف والتربية والتعليم (المواد الإسلامية)، وفي الجامعات لا يعانون من “حجب الموافقة الأمنية”، كما هي حال نسبة كبيرة من جماعة الإخوان المسلمين والجهاديين وأفراد حزب التحرير.

    تجد القراءة الرسمية (لدى أطراف داخل الدولة) أنّ النظرة السابقة سطحية، وليست عميقة ولا دقيقة. إذ تتولى الدوائر الأمنية إدارة ملف الحركات الإسلامية، (باستثناء الإخوان، الذين أصبحوا ملفاً أمنياً منذ قرابة عشرة أعوام، وقبل ذلك كانت لهم علاقاتهم بالملك الراحل نفسه، الحسين بن طلال)، لأنّ غالبيتها لا تشارك في العمل السياسي والبرلماني، وهي ذات طبيعة اجتماعية أكبر منها سياسية.

    المنظور الأمني، إذن، هو الذي حكم علاقة الدولة ومؤسساتها بالجماعات الإسلامية المختلفة، ومن ضمنها السلفية المحافظة.

    ويوضّح مسؤول رفيع، على علاقة بهذا الملف، أنّ “القاعدة الذهبية” التي تحكم علاقة أجهزة الدولة بالجماعات الإسلامية جميعها، تتمثل في أنّ المحك والمعيار الرئيس هو الأمن ومصالح الدولة، فيما إذا كانت هذه الجماعات تخدم مصالح الدولة وأمنها أم تضر بها، فتتحدد وفقاً لذلك السياسات الرسمية[124].

    وفقاً لهذا المنظور الأمني، فإنّ الجماعات والحركات الإسلامية جميعها وإن اختلفت (تكتيكياً) فيما بينها في العديد من القضايا والأمور، وتصارعت، وتباينت مواقفها من الشأن السياسي ومن العلاقة مع الحكومة والدولة، فإنّها تتفق (استراتيجياً) على “إقامة الدولة الإسلامية”، ما يعني بصورة أو بأخرى انقلاباً مباشراً، أو غير مباشر، قصير الأمد أو طويل الأمد، على نظام الحكم الحالي والدستور والقوانين القائمة.

    لذلك، يميّز المنظور الأمني بين السياسات قصيرة المدى وبعيدة المدى في التعامل مع الحركات الإسلامية كافة، ففي المدى القصير يتّم التمييز بينها على قاعدة ما يخدم الأمن والمصالح السياسية الراهنة، وعلى المدى البعيد يتم النظر إلى الجميع بعين المراقبة والرصد، حتى لا يخرج أيٌّ منها عن قواعد اللعبة الأمنية، فيصبح مصدر تهديد وخطر على الأمن وقواعد النظام السياسي في مرحلة لاحقة.

    بإسقاط القاعدة الذهبية السابقة على سياسات الدولة تجاه السلفية المحافظة، فإنّ الأجهزة الأمنية، تحديداً المخابرات العامة، هو الجهاز المعني بإدارة هذا الملف، الذي يخضع بالضرورة للمنظور الأمني المحض، من دون تدخل أو إشراف حكومي.

     على المدى القصير، فإنّ العلاقة تبدو جيّدة ووديّة بين السلفية المحافظة، وتحديداً قادتها (في الأردن) وبين الأجهزة الأمنية، وقلّما توجد هنالك احتكاكات سلبية.

      وفقاً للمنظور الأمني، فإنّ إعلان السلفيين المحافظين اعتزالهم الشأن السياسي وتبنّيهم مقولة شيخهم الألباني (المشهورة) “من السياسة ألاّ نتحدّث في السياسة”، هو إعلان مشجّع ومطمئن، ويخدم الجانب الأمني.

    كما أنّ مواقف السلفيين الرافضة للعمل الحزبي، التي تدعو إلى طاعة ولي الأمر، ورفض المعارضة العلنية والسياسية، والوقوف ضد المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، ومخاصمة التيارات الإسلامية المعارضة، سواء قانونياً (كالإخوان المسلمين) أو راديكالياً (السلفية الجهادية)، كل تلك المواقف تصب في خدمة المنظور الأمني.

     وتبدو العلاقة بين قيادات التيار وبين الدولة ودّية وفيها قدر كبير من “الخدمة المتبادلة”، إذ تسهّل الأجهزة المعنية نشاط التيار ومعاملاته داخل الدولة، فيما يقدّم القادة فتاوى دينية (تنسجم مع خطاب التيار، ولا تتناقض معه) تستخدمها الدولة في مواجهة القوى الإسلامية الأخرى.

    فبالإضافة إلى المواقف السياسية والفكرية العامة التي تخدم المنظور الأمني، وفقاً للمعنيين به، فإنّ قادة التيار يخوضون “معركة الدولة الدينية” ضد الأطراف الأخرى، سواء بإصدار الفتاوى أو في المحاضرات أو خطب الجمعة، ما يمنح الدولة “أدوات” منافسة للإسلاميين الآخرين في المجتمع، تتجاوز المؤسسة الدينية الرسمية، التي لا تحظى بدعم كبير أو مصداقية عالية، عادةً، في الأوساط الشعبية.

   ذلك، لا يعني تسليماً كاملاً ومطلقاً من قبل أجهزة الدولة لعلاقة ودّية مستدامة مع السلفيين، فما يزال هنالك تخوّف من الهدف البعيد المدى، أسلمة الدولة، وهو هدف لا توضّح الأدبيات السلفية بصورة دقيقة، فيما إذا كانت تفكّر فيه بجدّية بعد أسلمة المجتمع، أو أنّه مجرّد “غطاء نظري” من الأيديولوجيا السلفية، تضعه ضمن منظومة غاياتها، لمواجهة الجماعات والحركات الإسلامية الأخرى.

    التخوّف الثاني، الذي يثار تجاه السلفية المحافظة (وغيرها من جماعات كالتبليغ والدعوة، تعلن مجافاتها للسياسة والعمل المسلّح) يكمن في هاجس “السيولة الكبيرة” داخل الحالة الإسلامية، بين الجماعات المختلفة، وبصورة محدّدة التيارات السلفية المتعددة، فهنالك أرضية عقائدية ومعرفية صلبة واحدة، وإن اختلفت المواقف السياسية، تتيح الانتقال من التيار المحافظ إلى الإصلاحي إلى الجهادي بسهولة، وقد حدث ذلك، بالفعل، مرّات عديدة سابقاً، ما يجعل هنالك مراقبةً ورصداً مستمراً للمحافظين، حتى وإن كانت علاقتهم بالأجهزة الرسمية عادةً جيّدة.

   لا يلقي المنظور الأمني بالاً أو اكتراثاً لإشكالية تناقض الخطاب الديني- الاجتماعي للسلفية المحافظة، (الذي يتسم بالتشدد تجاه الحداثة والفنون والعلوم الجديدة والتطور الاجتماعي) مع محاولة الدولة اجتراح طريق جديدة في الجمع بين متطلبات الحداثة والتحديث وبين الرسالة الإسلامية، من خلال التركيز على قيم الانفتاح والتسامح والتفاعل مع الحضارة الغربية والحوار بين الأديان والمذاهب، وهي قضايا لا تبتعد، فقط، عن شواغل السلفية المحافظة، بل تصطدم بالعمق، في جزء كبير منها، مع أيديولوجيا السلفية المحافظة، في الملفات الاجتماعية والثقافية والمعرفية.

    وفقاً للمنظور الأمني، فإنّ اهتماماته تقف عند حدود المصالح الأمنية المنظورة الواضحة، والقدرة على بناء أدوات واقعية على الأرض تخدم سياسات الدولة في مواجهة الأدوات الأخرى، بيد أنّ ذلك لا يعفي المؤسسات الأخرى من الدولة في التفكير بهذه التناقضات والمفارقات، التي تجعل من سياسات الدولة المعلنة في واد واللعبة الأمنية في وادٍ آخر.

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أفاق المستقبل

    ثمة عوامل متعددة متشابكة ومعقّدة تحكم رؤية الآفاق المقبلة لمستقبل المشروع السلفي في الأردن، ومدى تحقّقه من خلال أهدافه المعلنة، أسلمة المجتمع ثم الدولة على المدى البعيد.

    فهنالك عوامل داخلية، تنبع من سؤال التماسك الداخلي، بعد بروز ظاهرة الانشقاقات والتصدّعات، بخاصة بعد وفاة الشيخ المؤسس للتيار، ناصر الألباني، بدأت بإخراج الرجل الثاني محمد إبراهيم شقرة، ومن ثم مراد شكري وسليم الهلالي، وهم من شيوخ الصف الأول في التيار، وهي ظاهرة مرشّحة للبقاء والاستمرار، في ظل غياب العقلية المؤسساتية، وفي إطار صيغة من العلاقة تربط الأفراد بالشيخ، بصورة مباشرة.

     وهنالك عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متعددة، تحدّد مدى انتشار وقبول الأفكار السلفية وقوة تيارها المجتمعي، كأزمة الهوية الاجتماعية والسياسية، وضعف التيار التنويري- الإصلاحي في المجتمع، والأزمة السياسية التي تقطع الطريق على وجود نظام ديمقراطي تعددي، تتم فيه عملية تداول السلطة، ولا يشعر الناس بارتياب من العمل السياسي.

   في ظل سيناريو استمرار الأوضاع الراهنة، بمستوياتها المتعددة (سياسياً، اجتماعياً وثقافياً) فإنّ السلفية المحافظة مرشّحة للاستمرار وربما الصعود والبقاء، وفي ظل تدهور الأوضاع، فإنّ الحركات والدعوات السلفية أيضاً تجد فرصة أكبر للازدهار.

   السؤال الآخر ينفجر في وجه السياسات الرسمية، وفي التناقض الفجّ الصريح والواضح بين المنظور الأمني الذي يعمل في الواقع وبين الخطاب السياسي المعلن للدولة في الشأن الديني والسياسي!

    بالضرورة، فإنّ السلفية المحافظة هي كباقي التيارات والحركات الإسلامية، تسعى إلى أسلمة المجتمع، وربما الدولة[p28] ، وإن اختلفت مع الآخرين في استراتيجية التغيير لديها، وفي علاقتها بالدولة عموماً.

    الاختلاف المهم والجوهري هنا ، الذي يغيب عن السياسات الرسمية، هو في “مضمون” الأسلمة التي تؤمن وتسعى إليها السلفية المحافظة، فيما إذا كان هذا المضمون، وهو العصب الحيوي في أيديولوجيا التيار، ينسجم مع متطلبات بناء مجتمع متقدّم منفتح، حديث، ودولة ديمقراطية عصرية مدنية أم أنّه “مضمون” يدفع باتجاه تمثّل الماضي وحقبة تاريخية، وينظر بعين الريبة والشك والرفض لسياسات التحديث والانفتاح، ولقواعد اللعبة الديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية[p29] ؟.

 

    من الصفحات السابقة، فإنّ الجواب يكاد يكون بديهيّاً هنا، وهو ما لا نجد عليه جواباً مقنعاً في الأوساط الرسمية، فكيف يمكن رأب الصدع وردم الفجوة الكبيرة في هذا التناقض بين المنظور الأمني والمنظور السياسي الاستراتيجي!

   ذلك سؤال برسم الإجابة من قبل مؤسسات الدولة وسياساتها الرسمية، فيما إذا كان الأصل التضحية بالمنظور الاستراتيجي للتنوير والعقلانية والانفتاح والحداثة تحت وطأة الاعتبارات الآنية اليومية في متطلب التحالف مع “التيار التقليدي” واستخدامه، كما أوصت مؤسسات غربية أميركية مؤخّراً، أم أنّ الأولية هي لاستراتيجية سياسية تنويرية تبحث عن شريك إسلامي يخدم عملية بناء دولة مدنية حديثة ومجتمع عصري يتصالح مع نفسه، ولا يجد تناقضاً بين شروط العصر ومقتضيات الدين والإيمان.  

   

 

 


[1]  لمزيد من التفصيل حول مفهوم السلفية، أنظر:

-          الدكتور مصطفى حلمي، السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006.

-          الدكتور مصطفى حلمي، قواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.

-          د.محمد فتحي عثمان، السلفية في المجتمعات المعاصرة، دار القلم، الكويت، الطبعة الثانية، 1981.

-          د. محمد عابد الجابري، الحركة السلفية والجماعة الدينية المعاصرة في المغرب، في الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، 1998، ص 187-236.

-          الدكتور حيدر إبراهيم، الاتجاه السلفي، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، 1988، ص 11-36.

-          فهمي جدعان، معنى السلفية، الماضي في الحاضر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، ص 79-104.

-          فهمي جدعان، السلفية حدودها وتحولاتها، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، 1988، ص 61-96.

-          الدكتور راجح عبد الحميد الكردي، الاتجاه السلفي بين الأصالة والمعاصرة، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى، 1989.

-          الدكتور محمد رمضان سعيد البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة، لا مذهب إسلامي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى1988.

 

[2] د.أنور أبو طه، السلفيّة – اتجاهات وقضايا، وقد استفدنا من بحثه القيم في تصنيفات السلفية، وكذلك البحثين القيمين للدكتور فهمي جدعان، معنى السلفية، الماضي في الحاضر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، ص 79-104.والسلفية حدودها وتحولاتها، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، 1988، ص 61-96.

 

[3]  حديث نبوي في صحيح مسلم والبخاري.

[4]   طه عبد الرحمن : “العمل الديني وتجديد العقل” ، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1997، ص90

[5]  الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب، (1971 ـ 2004)، بحث انثروبولوجي سوسيولوجي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الأولى، 2009، ص 38.

 

[6]  رواه الدارمي وابن أبي خيثمة في كتاب العلم بسند صحيح، ورواه البغوي في شرح السنة، واللالكائي، والهروي، ومحمد بن نصر المروزي.

[7]  ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم “مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية”، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 1404هـ ، 10.

[8]  . ناصر بن عبد الكريم العقل، مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها، دار الوطن للنشر، الطبعة الأولى 12 / 9 / 1412 هـ، ص 40 ـ 46.

[9]  محمد بن إبراهيم الشيباني، “حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه”، منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت، الطبعة الثانية، 2004، 1/400.

[10]  عصام موسى هادي، “محدث العصر الإمام محمد ناصر الدين الألباني كما عرفته”، دار الصديق، الجبيل، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 2003، ص 11.

 

[11]  ظهر إبان الفترة الاستعمارية الفرنسية عدد كبير من الجمعيات في سورية من أبرزها جمعية الهداية التي أسست عام 1930، وجمعية التمدن الإسلامي التي أسست عام 1931، وجمعية التوجيه الإسلامي، وجمعية أعمال البر الإسلامي، وجمعية البر والأخلاق، بالإضافة إلى عدد آخر من الجمعيات التي تبنت أُسُسًا ثقافيةً متشابهة تهدف إلى محاربة المنهج التغريبي الاستعماري. انظر: د. الحبيب، الجنحاني: “الصحوة الإسلامية في بلاد الشام: مثال سوريا” ، “في الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي”، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1998، ص 105-154.

[12]  محمد ناصر الدين الألباني “خطبة الحاجة” المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1400هـ، ص 6، وهي من الرسائل التي نشرها الألبا ني في مجلة “التمدن”، كما أشار في المقدمة.

[13]  سبق تأسيس جمعية الإخوان المسلمين عددٌ من الجمعيات مثل: جمعية “دار الأرقم” في حلب عام 1936، و”جمعية الرابطة الدينية” في حمص، و”أنصار الحق” في دير الزور عام 1939، وكانت عبارة عن واجهات لجماعة الإخوان، واجتمعت تحت اسم “شباب محمد”. انظر: د. إسحاق موسى الحسيني: “الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة” دار بيروت للطباعة، الطبعة الأولى، 1952، ص 122-124.

[14]  محمد جمال باروت: “سورية، أصول تعرجات الصراع بين المدرستين التقليدية والراديكالية”، من كتاب “في الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية”، تحرير: د. فيصل دراج، وجمال باروت، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، دمشق، الطبعة الرابعة، 2006، ص 255-256.

[15] محمد بن ناصر الألباني: “كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات”، بدون ناشر، الطبعة الأولى، 1975.

[16]  إبراهيم محمد العلي، “محمد ناصر الدين الألباني، محدث العصر وناصر السنة”، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2001، ص 26.

[17]  اتهم الألباني بأنه كان خلف ثورة جهيمان من الناحية الفكرية، وظهرت رسائل ومؤلفات لعدد من السلفيين في السعودية تتهمه بتصدير أفكاره السياسية. انظر كتابات الدكتور موسى الدويش وخصوصًا كتابه “التوجه السياسي الحركي عند الشيخ محمد ناصر الدين الألباني”، ود. عبد اللطيف باشميل: “الفتح الرباني في الرد على أخطاء دعوة الألباني”، وانظر في هذا السياق كتابات عبد العزيز العسكر.

 

[18] بلغت مؤلفات الألباني أكثر من 216، بين مجلدات ورسائل، ومعظمها يتعلق بعلم الحديث، تصحيحاً وتضعيفاً، أنظر: سمير بن أمين الزهيري، محدث العصر الألباني، دار المغني للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1421هـ. و إبراهيم محمد العلي، محمد ناصر الدين الألباني، محدث العصر وناصر السنة، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2001.

 

[19] حاول علي الحلبي جاهدا البحث عن سند تاريخي للوجود السلفي في الأردن، إلا أنه لم يأت سوى بشواهد ضعيفة، انظر مقالته: حول “الدعوة السلفية” في الأردن، جريدة الغد، على الرابط:   http://www.alghad.com/?news=189686

 

[20]  انظر: محمد أبو رمان، “الإخوان المسلمون في الانتخابات النيابية 2007: نكسة عابرة أم تآكل في الشعبية”، مؤسسة فريدريش ايبرت، عمان، 2008، ص 26-30.

[21]  انظر: محمد رأفت سعيد صالح: “نصائح وتوجيهات”، ضمن: “نصائح وتوجيهات المفكرين وعلماء الإسلام للجماعات والأحزاب الإسلاميّة”، إعداد نظام سلامة سكجها، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى 1993، ص 378.

 

[22] انظر: عن بعض القرارات الإدارية لشعبة الإخوان المسلمين في الزرقاء المتعلقة بحظر حضور دروس الألباني والدعوة لحضورها بتاريخ: 11/6/1975، سليم الهلالي وزياد الدبيج، الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، بدون ناشر، الطبعة الثانية، 1981، ص 101 ـ 104.

 [23] قامت المكتبة الإسلامية لصاحبها الشيخ نظام سكجها على تفريغ أشرطة الشيخ الألباني منذ أكثر من عشرة أعوام، وقد بلغت فتاواه أكثر من ثمانية عشرة مجلداً، وسوف يتم طباعتها قريباً، وتمثل هذه الفتاوى مصدراً مهماً لدراسة حياة الشيخ الألباني، وتوجهاته، فالكتب التي قام على تأليفها وتحقيقها تختص بعلم الحديث باستثناء بعض الرسائل الصغيرة التي لا يمكن من خلالها تتبع رؤية الشيخ ومنهجه بشكل كامل، كما أن معظم من ترجم له من تلاميذه يقتصر على عنايته بعلم الحديث، والاعتراضات والانتقادات الموجهة إليه، ولا يمكن الاستفادة منها في تبين منهج الشيخ الألباني ودعوته، وقد نشب خلاف بين الألباني وأبي ليلى حول حقوق الطبع المالية، أدى إلى فتور العلاقة بينهما

[24]  كشفت حرب الخليج الثانية عن ظهور سلفيات متعددة داخل السلفية، الأولى: سلفية وهابية حافظت على العلاقة التاريخية مع السلطة تمثلت بهيئة كبار العلماء، والتي أفتت بالاستعانة بالقوات الأجنبية، وعل رأسها الشيخ ابن باز مفتي المملكة، والثانية سلفية جهادية، تبنت شعار أخرجوا “المشركين من جزيرة العرب”، وعلى رأسها الشيخ أسامة بن لادن، والثالثة سلفية حركية، تحفظت على موضوع الاستعانة وطالبت بإصلاحات في مؤسسة الدولة والمجتمع، وعلى رأسها الشيخ سفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر العمر، وسلفية تقليدية تماهت مع الدولة، من خارجها، وعلى رأسها الشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ ربيع المدخلي.

 

[25]  انظر: الرسالة التي قام بتوزيعها وكتابتها تلميذ الشيخ الألباني، محمد إبراهيم شقرة، إبان أزمة الخليج، بدون ذكر المؤلف، بعنوان ” هذا بيان للناس”.

 [26] استمع إلى نص الفتوى المسجلة في شريط رقم (730/1/يوم 29 شوال 1413، وقد أدت هذه الفتوى إلى ردود عديدة عليها في جريدة اللواء الأردنية، الأعداد الصادرة من تاريخ 27/7/93 إلى 11/8/ 93، وقد تصدى تلميذه محمد إبراهيم شقرة بالدفاع عن الشيخ في كتاب بعنوان ” ماذا ينقمون من الشيخ، قدم لها الشيخ ناصر الدين الألباني.

 

[27] انظر عينة من الكتب والرسائل والردود: مراد شكري، “إحكام التقرير لأحكام مسألة التكفير” ، قدم له علي الحلبي. وعلي الحلبي، “التحذير من فتنة التكفير” بحوث علمية, ونقول عقدية, لعدد من علماء الإسلام, محدثين, فقهاء, ومفسرين. وعلي الحلبي، “التعريف والتنبيه بتأصيلات العلامة الشيخ الإمام أسد السنة الهمام محمد ناصر الدين الألباني في مسائل الإيمان والرد على المرجئة“. وعلي الحلبي القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير ومَن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الكافرون.  وعلي الحلبي، التبصير بقواعد التكفير.  ومحمد ناصر الدين الألباني، فتنة التكفير، إعداد علي بن حسن عبد الحميد، دار ابن خزيمة، الطبعة الثانية، . وعلي الحلبي، صيحة نذير بخطر التكفير.

 

[28] من أبرز المواقع السلفية التقليدية في الأردن:

شبكة المنهاج الإسلامية       http://www.almenhaj.net/

مركز الإمام الألباني  http://www.albani-center.com/

منتديات كل السلفيين بإشراف الشيخ علي الحلبي  http://www.kulalsalafiyeen.com/

موقع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني  http://www.alalbany.net/ 

موقع بإشراف الشيخ علي الحلبي http://www.alhalaby.com/

موقع الشيخ مشهور حسن سلمان  http://www.mashhoor.net/

موقع الشيخ سليم الهلالي       http://www.islam-future.com/ 
موقع الشيخ محمد موسى نصر http://www.m-alnaser.com/

[29]  انظر: جملة من الاتهامات في عددي مجلة “الأصالة”، التابعة للسلفية التقليدية، رقم، 25 و 26، بتاريخ: 15 محرم، و15 ربيع أول 1421 هـ .

[30]  انظر: عاصم محمد إبراهيم شقرة، “الردود العلمية السنية”، بدون ناشر، 2001

[31]  لمزيد من الاطلاع حول الجدل بخصوص سيد قطب، بين التيارات السلفية التقليدية، انظر: وائل علي البتيري، “كلمة حق للمحدث الألباني في الأستاذ سيد قطب”، تقديم الشيخ محمد إبراهيم شقرة، والدكتور صلاح الخالدي، مكتبة البراق، الزرقاء، الطبعة الأولى، 2005. وائل علي البتيري، “ردّ الأقوال التي نقلها سليم الهلالي عن كتب الشهيد سيد قطب إلى مظانها الصحيحة وتصويبها”.

[32] [32]  انظر: علي الحلبي، “منهج السلف الصالح في ترجيح المصالح وتطويح المفاسد والقبائح في أصول النقد والجرح والنصائح.” على الرابط:                             http://www.alhalaby.com/play.php?catsmktba=1342

[33]  انظر، على سبيل المثال، عينة من الاتهامات للحلبي بانتمائه القطبي: أحمد بن عمر بازمول، “صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات علي الحلبي”.على الرابط:  http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=364751

 أبو عبد الرحمن بن حسن الزندي الكردي، “طليعة التنكيل بما في أقوال الحلبي من الأباطيل “. على الرابط: http://vb.alaqsasalafi.com/showthread.php?t=1010

 [34] انظر بعض الكتب والرسائل بخصوص السرقات العلمية:

أحمد الكويتي، “الكشف المثالي عن سرقات سليم الهلالي”. بدون ناشر، الطبعة الأولى، 1993. ورائد صبري، “كشف المستور عن سرقات مشهور”. ورائد صبري، “قرع الطنبور لسرقات مشهور”.  على الرابط:
http://www.addyaiya.com//TitleView.aspx?refId=194

وبن حمد الأثري، “مذكرة في الردود على جهالات الحلبي وسرقاته العلمية”. على الرابط: www.alathary.net

 وأبو عبد الرحمن سعد بن فتحي الزعتري، “تنبيه الفطين لتهافت تأصيلات الحلبي المسكين”.على الرابط: http://bayenahsalaf.com/vb/showthread.php?t=176

والشيخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي، “الفارق بين المحقِّق والسارق”، على الرابط:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=36017

[35] انظر  الرابط:  http://g5g5.net/xzfiles/WzP58688.pdf

[36]  محمد موسى نصر، “إذ انبعث أشقاها” على الرابط: http://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=2796

 [37] انظر: أكرم محمد زيادة، “فساد السلفي، لا الفساد السلفي”، على الرابط: http://www.almenhaj.net/makal.php?linkid=994

[38]  انظر: محمد ناصر الدين الألباني، صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة، 1991، ص 43-45.

 

[39]  انظر، على سبيل المثال: محمد ناصر الدين الألباني، العقيدة الطحاوية: شرح وتعليق، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1993.

 

[40]  محمد ناصر الدين الألباني، التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليها، المكتبة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1421هـ، ص30.

([41]) محمد بن ناصر الألباني: “التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما”، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى، 1421، ص 14-15.

[42]  محمد ناصر الدين الألباني، مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام، وابن الصلاح، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1405، ص 12-13.

 

[43]  انظر: محمد ناصر الدين الألباني، التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليها، مرجع سابق، ص30-31.

[44]  محمد ناصر الدين الألباني، سؤال وجواب حول فقه الواقع، المكتبة الإسلامية، الأردن، الطبعة الثانية، 1422هـ، ص 40-44.

 

([45]) المرجع السابق، ص 30-31.

([46]) محمد ناصر الدين الألباني، “سلسلة الأحاديث الضعيفة”، مكتبة العارف، الرياض، الطبعة الخامسة، 2/د.

([47]) المرجع السابق، 2/د.

([48]) محمد ناصر الدين الألباني، “مختصر العلو للعلي الغفار”، تأليف الحافظ شمس الدين الذهبي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1991، ص 58.

([49]) محمد ناصر الدين الألباني، “الطريق الرشيد نحو بناء الكيان الإسلامي”، مرجع سابق، ص 378-379.

[50] محمد ناصر الدين الألباني، حياة الألباني وآثاره، تصنيف محمد إبراهيم الشيباني، مرجع سابق، ص436

[51]  محمد ناصر الدين الألباني، جماعة واحدة في الإسلام لاجماعات، مكتبة الفرقان، عجمان، الطيعة الثانية، 2003، ص 10-11.

[52]  تعرض لمنهج الألباني صالح سرية في “رسالة الإيمان”، وكذلك محمد عبد السلام فرج في كتابه ” الفريضة الغائبة”، وأفرده الظواهري برسالة بعنوان ” الرد على شبهة خطيرة للشيخ الألباني، بشأن السكوت عن الحكام المرتدين”، وأبو بصير الطرطوسي في كتاب” مذاهب الناس في الشيخ محمد ناصر الدين الألباني”، وأبو قتادة الفلسطيني في “رسائل الجرح والتعديل”، وغيرهم.

([53]) محمد ناصر الدين الألباني: “رفع الأستار عن أدلة القائلين بفناء النار” المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ص 5.

([54]) اتهم الألباني بأنه كان خلف ثورة جهيمان من الناحية الفكرية، وظهرت رسائل ومؤلفات لعدد من السلفيين في السعودية تتهمه بتصدير أفكاره السياسية. انظر كتابات الدكتور موسى الدويش وخصوصًا كتابه: “التوجه السياسي الحركي عند الشيخ محمد ناصر الدين الألباني”، ود. عبد اللطيف باشميل: “الفتح الرباني في الرد على أخطاء دعوة الألباني”، وانظر في هذا السياق كتابات عبد العزيز العسكر.

([55]) محمد ناصر الدين الألباني: “التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما”، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى، 1421هـ، ص 29.

([56]) محمد ناصر الدين الألباني: “صفة صلاة النبي e من التكبير إلى التسليم كأنك تراها”، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى الجديدة، 1992، ص 43-45.

([57]) محمد ناصر الدين الألباني: “مختصر العلو للعلي الغفار”، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1991، ص 58.

([58]) محمد ناصر الدين الألباني: “صفة صلاة النبي”، مرجع سابق، ص 45.

([59]) محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الهدى والنور، شريط رقم 347.

([60]) أبي عبيدة مشهور حسن آل سلمان: “السياسة التي يريدها السلفيون”، الدار الأثرية، عمان، الطبعة الأولى، 2004، ص 33.

([61]) مشهور حسن آل سلمان: “السياسة التي يديره السلفيون” مرجع سابق، ص 32.

([62]) محمد إبراهيم شقرة: “لا دفاعًا عن السلفية، بل دفاعًا عنها”، بدون ناشر، ص 3.

([63]) محمد إبراهيم شفرة: “هي السلفية: نسبةً وعقيدةً ومنهجًا”، بدون ناشر، الطبعة الثانية، 2000، ص 173.

([64]) المرجع السابق، ص 179.

([65]) المرجع السابق، ص 185.

([66]) علي الحلبي الأثري: “حول الدعوة السلفية مرة أخرى وليست أخيرة”، جريدة الغد الأردنية، الجمعة، 25 أيار، 2007، العدد 1017، ص 7.

([67]) محمد موسى نصر: “ماذا ينقمون من السلفية”، دار الإمام أحمد، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004، ص 54.

([68]) محمد ناصر الدين الألباني: “الطريق الرشيد نحو بناء الكيان الإسلامي” «في حياة الألباني وآثاره»، مرجع سابق، 1/377.

([69]) محمد ناصر الدين الألباني: “مسائل وأجوبتها”، مجلة الأصالة، العدد الثامن عشر، 15 محرم، 1419، ص 71.

([70]) محمد بن ناصر الألباني ومقبل بن هادي الوادعي وآخرون، “مسائل عصرية في السياسة الشرعية”، مجلة “الأصالة”، 15 جمادى الآخرة، 1413، العدد الثاني، ص 17.

([71]) المرجع السابق، ص 18-19.

([72]) المرجع السابق، ص 22.

([73]) عبد المالك بن أحمد بن المبارك رمضاني الجزائري، “مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية”، قرأه وقرضه العلامة الشيخ: محمد بن ناصر الدين الألباني، دار أهل الحديث، الطبعة الثانية، 1418، منقحة ومزيدة، ص 240-241.

([74]) سليم الهلالي، “كلكم راع”، مجلة الأصالة، 15 جمادى الآخر، 1414، العدد الثامن، ص 39.

([75]) ناصر الدين الألباني، تعليق في هامش كتاب “حقوق النساء في الإسلام: نداء إلى الجنس اللطيف”، تأليف محمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي، 1975م، ص 11.

([76]) محمد ناصر الدين الألباني، “آداب الزفاف في السُّنة المطهرة”، دار ابن حزم، بيروت، والمكتبة الإسلامية، الجبيهة، الطبعة الثالثة، 1996م، ص 279-289.

([77]) محمد ناصر الدين الألباني: “جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة”، المكتبة الإسلامية، الجبيهة، ابن حزم، بيروت، الطبعة الرابعة، 1997م، ص 37.

([78]) محمد ناصر الدين الألباني: “صفة صلاة النبي صلى الله عيه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها”، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى الجديدة، 1992م، ص 43.

([79]) انظر: اللَّجنة النسائية: “معًا على طريق النَّجاح والتَّفوق للفرد والأسرة والطالب والمدرسة”، الدار الأثرية، عمان.

([80]) مشهور حسن سلمان: مقدمة كتاب “حكم عمل المرأة في الفقه الإسلامي”، تأليف عدنان بن ضيف الله آل الشوابكة، الدار الأثرية، عمان، الطبعة الأولى، 1428هـ، ص5.

([81]) المرجع السابق، ص 6.

([82]) محمد موسى نصر: “حقوق المرأة في الإسلام”، شريط مسجل، (رقم: 14).

([83]) المرجع السابق.

([84]) محمد ناصر الألباني، “جريدة المسلمون”، 5/5/1416هـ، العدد 2556، ص 7.

([85])  بخصوص قضايا السلفية الجهادية والإرهاب، داخليا وخارجيا، انظر على سبيل المثال: محمد موسى نصر، وسليم الهلالي، وعلي الحلبي، صد العدوان عن عمان، منشورات مركز الإمام الألباني، وكلمةٌ منهجيةٌ هادية في بعض الأحداث الجارية ، مركز الإمام الألباني للدراسات العلمية والأبحاث المنهجية
24/محرم/1431هـ – 10/1/2010م الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان أ.د. باسم بن فيصل الجوابرة د.محمد بن موسى آل نصر د. زياد بن سليم العبادي الشيخ علي بن حسن الحلبي. وفي القضية العراقية، الفتاوى الشامية في مسائل النازلة العراقية، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مشهور حسن سلمان، علي حسن الحلبي، سليم الهلالي، جمعها وضبطها وعلق عليها أبو همام حارث بن عبد الكريم الشامي، بدون ناشر.

([86])  اعتمدت سياسة التحالف بين السلفية التقليدية والدولة في عدة دول عربية، كالسعودية ومصر والجزائر والمغرب، لمواجهة الحركات الإسلامية الجهادية والسياسية، انظر بخصوص الجزائر: أمل بوبكير، السلفية وسياسة التطرف في جزائر ما بعد الصراع، أوراق كارنيغي، مؤسسة كارنيغي، العدد 11. سبتمبر/ أيلول 2008. إلا أن المغرب عدلت من سياساتها بعد أحداث 16 أيار/ مايو 2003، بعد أن اكتشفت انسيابا بين السلفية التقليدية والسلفية الجهادية والحركية، وعملت على الحد نسبيا من أنشطتها ممثلة بشيخها عبد الرحمن المغراوي، انظر: الدكتور عبد الحكيم ابو اللوز، الحركات السلفية في المغرب، مرجع سابق، ص381 ـ 388.

([87]) سليم بن عيد الهلالي: “وفيه دخن“، مجلة الأصالة، 15 ذو القعدة، 1414، العدد الحادي عشر، ص 12.

([88]) المرجع السابق، ص 13-15.

([89]) محمد بن ناصر الألباني: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، مكتبة المعارف، الرياض، 1995، 4/507.

([90]) محمد بن ناصر الألباني، “فقه الواقع”، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الثانية، 1422، ص 39-40.

([91]) المرجع السابق، ص 43.

([92]) علي حسن علي عبد الحميد الحلبي الأثري، “رؤية واقعية في المناهج الدعوية”، دار الصواب للكتاب، عمان، ودار الإمام أحمد، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006، ص 49.

([93]) محمد ناصر الدين الألباني: “مسائل وأجوبتها”، مجلة الأصالة، 15 جمادى الآخر، 1420، السنة الرابعة، العدد الثاني والعشرين، ص 77.

([94]) هيئة التحرير، “أحوال العالم الإسلامي”، مجلة الأصالة، 15 جمادى الآخر، 1414، العدد الثامن، ص79.

([95]) المرجع السابق، ص 13.

([96]) سليم بن عيد الهلالي، من هي الطائفة المنصورة، مجلة الأصالة، العدد الثاني، 15 جمادي الآخر، 1413، ص 38.

([97]) سليم بن عيد الهلالي، المقالات السلفية في العقيدة والدعوة والمنهج والواقع، مكتبة الفرقان، عجمان، الطبعة الثانية، 2002، ص 83.

([98]) محمد بن موسى آل نصر، من معالم المنهج النبوي في الدعوة إلى الله، دار الإمام أحمد، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004، ص 35.

([99]) المرجع السابق، ص 35-39.

([100]) محمد إبراهيم شقرة، مقدمة الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي، مكتبة الصحابة، جدة، الطبعة الثانية، 1993، ص 14-15.

([101]) علي بن حسن بن علي بن الحميد، الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي، مكتبة الصحابة، جدة، الطبعة الثانية، 1993، ص 103-104.

([102]) محمد ناصر الألباني، هذه الجماعات من الاثنتين وسبعين فرقة، مكتبة الفرقان، عجمان، الطبعة الثانية، 2003، ص 12.

([103]) محمد ناصر الدين الألباني، المقالات السنية في حزب التحرير والجماعات التكفيرية، إعداد موسى بن عبد الله آل عبد العزيز، كتاب السلفية، دار البحوث والدراسات المعاصرة والتراجم، الرياض، الطبعة الأولى، 2006، ص 70.

([104]) محمد بن إبراهيم الشيباني، حياة الألباني آثاره، مرجع سابق، 1/401-402.

([105]) محمد ناصر الدين الألباني، رأي الشيخ في الجماعات الإسلامية، في حياة الألباني وآثاره، مرجع سابق، 1/395.

([106]) محمد ناصر الدين الألباني، مسائل وأجوبتها، مجلة الأصالة، العدد الثالث عشر، 15 محرم، 1415هـ، ص 71.

([107]) المرجع السابق، ص 70.

([108]) المرجع السابق، ص 71.

([109]) علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري، مسائل علمية في الدعوة والسياسة الشرعية، راجعه محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة ابن القيم، الكويت، الطبعة الثانية، 2001، ص 100.

([110]) علي بن حسن بن علي بن الحميد، الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي، مرجع سابق، ص 101.

([111]) محمد بن إبراهيم الشيباني، حياة الألباني وآثاره، مرجع سابق، 1/401-402.

([112]) المرجع السابق، 1/395.

([113]) المرجع السابق، 1/395.

([114]) حسن أبو هنية، إشكالية العلاقة بين الإخوان المسلمين والسلطة في الأردن، بحث غير منشور، ص 16.

([115]) أبو الأشبال أحمد بن سالم المصري، فتاوى العلماء الكبار في الإرهاب والتدمير وضوابط الجهاد والتكفير ومعاملة الكفار، دار الكتاب، الطبعة الأولى، 2005، ص 423-424.

([116]) علي حسن علي عبد الحميد، البيعة بين السنة والبدعة عند الجماعات الإسلامية، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى، 1406.

([117]) سليم الهلالي، وزياد الدبيج، الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، الطبعة الثانية، 1981، ص 108-133.

([118]) صدرت عدّة كتب في انتقاد سيد قطب، منها: عدة كتب لربيع المدخلي، وعلي الحلبي، وسليم الهلالي، وغيرهم.

 انظر: وائل البتيري، كلمة حق للمحدث الألباني في الأستاذ سيد قطب، مكتبة البراق، عمان، الطبعة الأولى، 2005. وائل البتيري، التفنيد لادعاءات علي الحلبي وموقفه من سيد قطب الشهيد، الطبعة الأولى 2005.

([119]) موسى بن عبد الله آل عبد العزيز، المقالات المنهجية في حزب التحرير والجماعات التكفيرية، من المجلة السلفية للإمامين ابن باز والألباني، كتاب السلفية، دار البحوث والدراسات المعاصرة والتراجم، الرياض، الطبعة الأولى، 2006، ص 74-89.

([120]) محمد ناصر الدين الألباني، فتنة التكفير، إعداد علي بن حسن عبد الحميد، دار ابن خزيمة، الطبعة الثانية، 1997، ص 13.

([121]) المرجع السابق، ص 20.

([122]) محمد ناصر الدين الألباني، المقالات السنية في حزب التحرير والجماعات التكفيرية، مرجع سابق، ص 31.

[123]  في حديث خاص معه، لصالح إعداد هذه الدراسة.

[124]  لقاء خاص معه أجري على هامش الدراسة.


 [p1]عموما ام فقط المحافظة

 [p2]المحافظون؟؟؟؟

 [p3]ف / هل هي استئنافية؟

 [p4]من؟

 [p5]Look for smthing better !!!!!!

 [p6]اي مصطلح؟؟؟

 [p7]التاكد من الكلمة

 [p8]67؟

 [p9]Too long check it 82 years ???

 [p10]Too short 1 year???

 [p11]؟؟؟؟؟

 [p12]84 year! Too long?

 [p13]مجمل أطروحات هذه الحركات الجهادية

Sounds much better

 [p14]اين؟؟؟؟

 [p15]85 years , plz check?

 [p16]مكرر

 [p17]من ماذا؟؟؟

 [p18]مكرر

 [p19]الجيل؟

 [p20]مكرر الصفحة السابقة

 [p21]Try smthing simpler

 [p22]مكرر ص 16

 [p23]يتجه؟؟؟

 [p24]I don’t get it!

Vague!!!

 [p26]Reconsider!!

 [p27]على يدي؟؟؟؟

 [p28]مكرر

 [p29]Missing paragraph !

2 تعليقين على: السّلفيّة الأردنية: استراتيجية “أسلمة المجتمع” وسؤال العلاقة “الملتبسة” مع الدّولة

  1. المتأسف كتب:

    بحث جميل ومفيد على الرغم من تحاشي الكاتب الفاضل الخوض في بعض التفاصيل لأسباب ربما نجهل بعضها وربما طبيعة البحث من جانبه لا تستوجب ذلك.
    تحية خالصة من الأعماق

  2. رجل دعوة كتب:

    الموضوع جميل أبعد عن تفكيري بعض اللبس
    الطريق الوحيد السليم هو الرجوع للكتاب و السنة لكي ننهنأ بالسعادة في الحياة الاخرة و الدنيا
    و جزاك الله خيرا اخي الكاتب
    ورحم الله الشيخ محمد ناصر الالباني
    وجزاه الله خيرا عما قدمه للامة من تصفية الحديث من الشوائب التي دخلت عليه من اهل البدع و الاسرائيليات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>