<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مدونة جدران &#124; الكاتب محمد أبو رمان</title>
	<atom:link href="http://www.judran.net/?feed=rss2" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://www.judran.net</link>
	<description>مدونة جدران &#124; الكاتب محمد أبو رمان</description>
	<lastBuildDate>Wed, 18 Apr 2012 23:50:31 +0000</lastBuildDate>
	<language>en</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>http://wordpress.org/?v=3.0.3</generator>
		<item>
		<title>اعتذار وعودة إلى &#8220;جدران&#8221;.. ستبقى هذه كلماتنا لو منعوها في كل مكان سنكتبها على ..</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1695</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1695#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Apr 2012 23:50:31 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[يوميات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1695</guid>
		<description><![CDATA[مع جدران أجدد الحلم بعصر مختلف، تكون فيه دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والاقتصاد المنتج ، ومع جدران نجدد الالتزام بالدفاع عن حريات الإنسان وحقوقه وكرامته، وعن الحق في الاختلاف والتعددية بأبعادها المختلفة..
مع جدران أجدد الوقوف قلباً وقالباً مع الثورة السورية والشعب البطل الصابر المصابر الذي يدفع ما لا يوزن بثمن في سبيل حريته..
سوف تبقى هذه كلماتنا، لو منعوها في كل مكان، سنكتبها على الـ"جدران"
]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p>أعتذر من أصدقائي ومتابعي مدونتي &#8220;جدران&#8221; عن الانقطاع الطويل، لمدة شهرين تقريباً، وذلك بسبب السفر، إذ ما زلت في واشنطن، وسوف أعود إن شاء الله في منتصف شهر مايو المقبل، وقد حاولت تخصيص جزء من وقتي خلال الفترة الماضية لكنني فشلت، نظراً لضغوط البحث والوقت.</p>
<p>في هذه الفترة أقوم بمتابعتي دراستي الجديدة عن السلفيين والتحولات الجارية في المنطقة العربية، ومحاولة استنطاق تأثير ما يحدث في مصر أولاً على الدور السياسي للسلفيين وإمكانية تطوير أفكارهم، وتأثير ذلك على السلفيين الآخرين في العالم العربي، مع إضاءات على أيديولوجيا السلفية وفي الختام فصل نظري في إشكاليات العلاقة بين الديمقراطية والدين والمواطنة.</p>
<p>أحن إلى جدران برغم قصر عمرها أعطتني مساحة ليست متاحة في مكان آخر، بالرغم أنّني لم أقم بعد بتحقيق هدفي الحقيقي من المدونة الذي يتجاوز الكتابة البحثية أو المقالات والاختيارات إلى الكتابة الشخصية واليوميات، وهو ما آمل أن أتمكن من تحقيقه في الأشهر القادمة..</p>
<p>أتمنى أن تكون هذه المدونة قناة تواصل وحوار مع الجميع..</p>
<p>مع جدران أجدد الحلم بعصر مختلف، تكون فيه دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والاقتصاد المنتج ، ومع جدران نجدد الالتزام بالدفاع عن حريات الإنسان وحقوقه وكرامته، وعن الحق في الاختلاف والتعددية بأبعادها المختلفة..</p>
<p>مع جدران أجدد الوقوف قلباً وقالباً مع الثورة السورية والشعب البطل الصابر المصابر الذي يدفع ما لا يوزن بثمن في سبيل حريته..</p>
<p>سوف تبقى هذه كلماتنا، لو منعوها في كل مكان، سنكتبها على الـ&#8221;جدران&#8221;</p>
<p>محمد</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1695</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مؤامرات الخصاونه وصفقاته</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1690</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1690#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Feb 2012 07:17:48 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1690</guid>
		<description><![CDATA[الدعاية السياسية الأكثر انتشاراً في أوساط سياسية معينة تتمثّل بمؤامرة ينفّذها الخصاونه، وفق أجندة دولية، بالتواطؤ مع تركيا والأميركان والإخوان المسلمين (تصوّروا!) لإقامة "الوطن البديل في الأردن"! فالأتراك والأميركان والتنظيم العالمي للإخوان مشغولون جميعاً اليوم في ترتيب إقامة الوطن البديل هنا في عمان، فنحن مركز الكون والتاريخ، أو ربما أنّهم أنهوا مشكلاتهم الداخلية والعالمية، وتفرّغوا حالياً لإقامة حلم إسرائيل بتفريغ فلسطين من الفلسطينيين، ووجدوا الخصاونه لتنفيذ هذا "المخطط الجهنمي"!

هل مثل هذا "السيناريو" يستحق النقاش والنقد؟! المشكلة الوحيدة التي أجّجت هذه الدعايات ضد الرجل أنّه متصالح مع نفسه، وتحدّث بصراحة أنّه ضد تجريم المعارضة وتخوينها و"شيطنتها"، وأنّ جماعة الإخوان تمثّل اليوم القوى الرئيسة في المعارضة الحزبية، مما يعني ضرورة التفاهم معها على ترسيم المرحلة المقبلة، حتى لا نكرر ما حدث في الانتخابات النيابية 2007 و2010.

]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div dir="ltr">
<div dir="ltr">
<p dir="rtl"><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@10.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1691" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@10.jpg" alt="" width="233" height="216" /></a>الظروف الاستثنائية، والتركة الثقيلة التي ورثها عن مرحلة ممتدة من التخبط والفوضى لا بد أن تكون حاضرة لدينا جمعياً في تقييم أداء رئيس الوزراء، عون الخصاونه، بعد مرور قرابة أربعة أشهر على تشكيله للحكومة.</p>
<p dir="rtl">بالضرورة، هنالك هنّات وأخطاء متعددة من ناحية وأداء جيّد من ناحية أخرى. لكن الموضوعية تقتضي أن ننصف الرجل على الأقل في أدائه إلى اليوم، بخاصة أنّ سهام النقد الموجهة إليه في أغلبها ليس موضوعياً ولا منطقياً.</p>
<p dir="rtl">الدعاية السياسية الأكثر انتشاراً في أوساط سياسية معينة تتمثّل بمؤامرة ينفّذها الخصاونه، وفق أجندة دولية، بالتواطؤ مع تركيا والأميركان والإخوان المسلمين (تصوّروا!) لإقامة &#8220;الوطن البديل في الأردن&#8221;! فالأتراك والأميركان والتنظيم العالمي للإخوان مشغولون جميعاً اليوم في ترتيب إقامة الوطن البديل هنا في عمان، فنحن مركز الكون والتاريخ، أو ربما أنّهم أنهوا مشكلاتهم الداخلية والعالمية، وتفرّغوا حالياً لإقامة حلم إسرائيل بتفريغ فلسطين من الفلسطينيين، ووجدوا الخصاونه لتنفيذ هذا &#8220;المخطط الجهنمي&#8221;!</p>
<p dir="rtl">هل مثل هذا &#8220;السيناريو&#8221; يستحق النقاش والنقد؟! المشكلة الوحيدة التي أجّجت هذه الدعايات ضد الرجل أنّه متصالح مع نفسه، وتحدّث بصراحة أنّه ضد تجريم المعارضة وتخوينها و&#8221;شيطنتها&#8221;، وأنّ جماعة الإخوان تمثّل اليوم القوى الرئيسة في المعارضة الحزبية، مما يعني ضرورة التفاهم معها على ترسيم المرحلة المقبلة، حتى لا نكرر ما حدث في الانتخابات النيابية 2007 و2010.</p>
<p dir="rtl">في الوقت نفسه، لم ينس الخصاونه أن يتحدّث مع الحراك السياسي والشعبي، وقد التقى باليساريين واليسار الاجتماعي وحراك الطفيلة، ولم نسمع منه كلمة واحدة في تخوين الحراك أو التشكيك فيه واتهامه بأجندات خارجية أو مؤامرة على الوطن، كما فعل غيره.</p>
<p dir="rtl">بالطبع، رئيس الوزراء صاحب الولاية العامة، وفقاً للدستور، فهو المسؤول عن السياسة الرسمية وأدوات السلطة التنفيذية. لكنّنا نتحدث عن الأصل والنظرية، وليس الواقع. فالرجل يتعامل مع ميراث حقبة كاملة من التخبط والارتجال والخطايا من ناحية، ولم يأت بانتخابات شعبية ولا تحمله قوى سياسية من ناحية أخرى؛ لكنّه بالرغم من ذلك يعلن رأيه بشجاعة وبوضوح، كما حدث في انتقاده للفساد الذي واكب الخصخصة أو إخراج قادة حماس من الأردن، أو حتى أحداث المفرق، إذ أكّد أنّه لم يكن راضياً عنها، و&#8221;لم يركب الموجة&#8221; ويهدد ويتوعد المعارضة في أيّ وقت كان.  </p>
<p dir="rtl">من المآخذ الموضوعية عليه اختيار الفريق الوزاري، ويرد هو بأنّ الشرط هو النزاهة وعدم الفساد. مع ذلك فمن الواضح افتقار الحكومة إلى مطبخين سياسي واقتصادي، وتبدّت هذه الفجوة في الارتباك بالتعامل مع أزمة المعلمين وغيرها.</p>
<p dir="rtl">ويؤخذ عليه أنّه ليس سياسياً، بالمعنى البراغماتي. على السطح يبدو هذا المأخذ منطقي، لكن في العمق قليلاً، قد نكون ما نحتاج إليه اليوم هو رجل من خارج الطبقة السياسية البراغماتية، يردّ المجتمع والدولة إلى المباديء والقيم الحاكمة الصحيحة، متصالح مع نفسه، يتحدّث بصراحة وبلغة غير ملوّنة، فمثل هذا الطراز من الشخصيات يفترض أن يكون مفتاحاً للتعامل مع مرحلة مسكونة بمنطق الصراعات وتصفية الحسابات بين السياسيين.</p>
<p dir="rtl">بالرغم مما يقال، فالرئيس إلى اليوم ما يزال محافظاً على مواقفه ومتصالحاً مع نفسه. إلاّ أنّ التحدي الحقيقي له في المرحلة المقبلة، عندما يواجه الاستحقاق الاقتصادي، وما يترتب عليه من تداعيات كبيرة، فهذا هو &#8220;عنق الزجاجة&#8221; الحقيقي له وللدولة معاً!</p>
</div>
</div>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1690</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>كيف نتجنب الكارثة الاقتصادية؟!</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1686</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1686#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 21 Feb 2012 07:36:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1686</guid>
		<description><![CDATA[ما قدّمه الوزير بلغة علمية موثّقة ليست حججاً جديدة، فهو قرار مؤجّل منذ عامين، أي في عهد حكومة سمير الرفاعي 2010، ثم حكومة معروف البخيت، لم تستطع أيّ منها اتخاذه، خشيةً من انعكاساته السلبية، برغم حملات التمهيد التي كانت تتم دوماً، ثم تتراجع تلك الحكومات بعد التقاط ردود الفعل السلبية على تلك التسريبات.
لا جديد على الوضع السياسي، بل لا نبالغ إن قلنا أنّ الأمور أكثر حساسية اليوم، مع مناخات الربيع العربي وزيادة الضغوط اليومية الاقتصادية على المواطنين، فكل هذه الوقائع تخلق حالة أكثر صعوبة لتمرير مثل هذه القرارات.
في المقابل؛ يؤكّد المسؤولون أنّ تأجيل هذا الاستحقاق لم يعد ممكناً، إذ أنّ الوضع الاقتصادي أصبح بالفعل مهدّداً على حافة الكارثة (وفقاً لوصف طوقان). والأخطر من ذلك وفقاً لمسؤول كبير في الدولة هو الجانب المعنوي والرمزي، في حال بدأت الأقاويل والدعايات السوداء حول استقرار الدينار تنتشر، وأدت إلى تفكير شرائح واسعة بحلول فردية، ستكون هي – لا سمح الله- معول الهدم الحقيقي للاقتصاد الوطني.
نحن أمام معضلة حقيقية تتمثّل في أنّ الحكومة مضطرة ومرغمة على رفع الدعم وإعادة تعريف أسعار الخدمات في أقرب وقت "حماية للموازنة" والاقتصاد. في المقابل هنالك مناخ سياسي متفجّر ومحتقن وقوى اجتماعية تدفع باتجاه معاكس نحو تحسين أوضاعها الاقتصادية من خلال الموازنة، بعدما تحوّل مشروع إعادة الهيكلة من "إنجاز" إلى أزمة جديدة بحد ذاته، لدى شرائح اجتماعية واسعة.
ما الحل، إذاً؟..
يمنحنا "الموعد" (أي شهر نيسان)، الذي تتحدث عنه الحكومة، عدة أسابيع، لطرح الموضوع سياسياً وإعلامياً للحوار العام، والمطلوب أن يكون هنالك توافق وطني على الخطوات المقترحة لإنقاذ الاقتصاد الوطني في الوقت نفسه طمأنة الشرائح الاجتماعية العريضة من عدم تحميلها أعباءً جديدة لا تقدر عليها.

 

إلى اليوم تبدو المشكلة الحقيقية أمام الحكومة في عدم وضوح الآليات والإجراءات التي ستقوم بها لحماية الطبقات الواسعة، فالمبلغ المطروح (50) مليون دينار لا يكفي بالتأكيد، والتفكير الحكومي معني اليوم بوضع "حزمة" متكاملة تشمل إعادة النظر في الضرائب لتحقيق قدر أكبر من العدالة، وقانون العمل (حقوق العمال والحد الأدنى من الأجور)، وهيكلة سوق العمل (مئات الآلاف من العمال الوافدين!)، ومعالجة حقيقية جادة للتهرب الضريبي، و"إعادة هيكلة النفقات" في الموازنة وهي مثار نقاش مبطّن وحاد لدى أغلبة المواطنين اليوم.

]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl">
<p dir="rtl"><strong> </strong></p>
<p><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/bbb.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1687" title="bbb" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/bbb.jpg" alt="" width="275" height="183" /></a>لا بد أن نعترف، ابتداءً، بأنّ وزير المالية، أميّة طوقان (في مقابلة الغد الأول من أمس) نجح بامتياز في إثارة مخاوفنا على وضع الاقتصاد الوطني وعلى استقرار الدينار والوضع المالي عموماً.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">طوقان وضعنا أمام &#8220;معادلة&#8221; جليّة بالأرقام والمعطيات الواقعية: إمّا أن نتخذ الحكومة قرارات جريئة برفع الدعم عن سلع أساسية (باستثناء الغاز والخبر؛ اعتبرهما الوزير خطّاً أحمر) وترفع تسعيرة خدمات أساسية (الماء والكهرباء)، أو نصل إلى وضع شبيه باليونان، ونسمح بانهيار الاقتصاد، لأننا خائفون من الكلفة السياسية والشعبية لمثل هذا القرار!</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وعد طوقان، في حديثه، بأن يتم تعويض الفئات الدنيا والوسطى عن هذا الدعم، مع وعود مماثلة بتخفيض الإنفاق الحكومي وإعادة النظر في سياسات الإعفاءات التي حرمت الخزينة من مئات الملايين، وبإعادة النظر في رسوم التعدين، وبقانون الضريبة وغيرها من إجراءات للتأكيد على أنّ السياسات الجديدة ستشمل الحكومة والشعب على السواء.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ما قدّمه الوزير بلغة علمية موثّقة ليست حججاً جديدة، فهو قرار مؤجّل منذ عامين، أي في عهد حكومة سمير الرفاعي 2010، ثم حكومة معروف البخيت، لم تستطع أيّ منها اتخاذه، خشيةً من انعكاساته السلبية، برغم حملات التمهيد التي كانت تتم دوماً، ثم تتراجع تلك الحكومات بعد التقاط ردود الفعل السلبية على تلك التسريبات.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">لا جديد على الوضع السياسي، بل لا نبالغ إن قلنا أنّ الأمور أكثر حساسية اليوم، مع مناخات الربيع العربي وزيادة الضغوط اليومية الاقتصادية على المواطنين، فكل هذه الوقائع تخلق حالة أكثر صعوبة لتمرير مثل هذه القرارات.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">في المقابل؛ يؤكّد المسؤولون أنّ تأجيل هذا الاستحقاق لم يعد ممكناً، إذ أنّ الوضع الاقتصادي أصبح بالفعل مهدّداً على حافة الكارثة (وفقاً لوصف طوقان). والأخطر من ذلك وفقاً لمسؤول كبير في الدولة هو الجانب المعنوي والرمزي، في حال بدأت الأقاويل والدعايات السوداء حول استقرار الدينار تنتشر، وأدت إلى تفكير شرائح واسعة بحلول فردية، ستكون هي – لا سمح الله- معول الهدم الحقيقي للاقتصاد الوطني.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">نحن أمام معضلة حقيقية تتمثّل في أنّ الحكومة مضطرة ومرغمة على رفع الدعم وإعادة تعريف أسعار الخدمات في أقرب وقت &#8220;حماية للموازنة&#8221; والاقتصاد. في المقابل هنالك مناخ سياسي متفجّر ومحتقن وقوى اجتماعية تدفع باتجاه معاكس نحو تحسين أوضاعها الاقتصادية من خلال الموازنة، بعدما تحوّل مشروع إعادة الهيكلة من &#8220;إنجاز&#8221; إلى أزمة جديدة بحد ذاته، لدى شرائح اجتماعية واسعة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ما الحل، إذاً؟..</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">يمنحنا &#8220;الموعد&#8221; (أي شهر نيسان)، الذي تتحدث عنه الحكومة، عدة أسابيع، لطرح الموضوع سياسياً وإعلامياً للحوار العام، والمطلوب أن يكون هنالك توافق وطني على الخطوات المقترحة لإنقاذ الاقتصاد الوطني في الوقت نفسه طمأنة الشرائح الاجتماعية العريضة من عدم تحميلها أعباءً جديدة لا تقدر عليها.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">إلى اليوم تبدو المشكلة الحقيقية أمام الحكومة في عدم وضوح الآليات والإجراءات التي ستقوم بها لحماية الطبقات الواسعة، فالمبلغ المطروح (50) مليون دينار لا يكفي بالتأكيد، والتفكير الحكومي معني اليوم بوضع &#8220;حزمة&#8221; متكاملة تشمل إعادة النظر في الضرائب لتحقيق قدر أكبر من العدالة، وقانون العمل (حقوق العمال والحد الأدنى من الأجور)، وهيكلة سوق العمل (مئات الآلاف من العمال الوافدين!)، ومعالجة حقيقية جادة للتهرب الضريبي، و&#8221;إعادة هيكلة النفقات&#8221; في الموازنة وهي مثار نقاش مبطّن وحاد لدى أغلبة المواطنين اليوم.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">اتخاذ خطوات على هذا الصعيد يتطلب إشراك المعارضة والقوى السياسية المختلفة لتقديم خطة إنقاد وطنية، كما يحصل في أغلب دول العالم اليوم..</p>
<p dir="rtl"> </p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1686</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>&#8220;الحسن في الصورة&#8221;: صدىً محبط لمقابلته!</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1681</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1681#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 20 Feb 2012 07:40:07 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1681</guid>
		<description><![CDATA[بعض العبارات التي استخدمها الأمير، وهي مرهونة بمرحلة كانت العلاقة بين الدولة والمجتمع ذات طابع أبوي مختلفة عن اللحظة التاريحية الراهنة، ضربت على العصب الاجتماعي والسياسي لمجتمع مغموس في أزمة سياسية واقتصادية، تهيمن عليه مناخات الربيع العربي والتوق لتغييرات سياسية عميقة نحو الحرية والديمقراطية، والتخلص من تبعات المرحلة السابقة.

خطورة التداعيات السياسية والشعبية للمقابلة أنّها تجاوزت الأمير إلى فتح جروح في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تجاوز ذلك عبر تجديد العقد الاجتماعي وتطويره، من خلال مشروع الإصلاح السياسي والدستوري. لكن صدى المقابلة مهم، من زاوية أخرى، إذ يعيد التأكيد على أنّ الشروط التي قامت عليها المعادلة السياسية منذ السبعينات إلى السنوات الماضية انتهت.

نحن أمام واقع جديد ومرحلة مختلفة في طبيعة العلاقة بين الدول والمجتمع، تجسّد في جوهر الأزمة السياسية، التي بدأت شرارتها تصيب العلاقة بين الدولة والحكومات والمجتمع منذ سنوات. أحد المسارات الناجحة التي مضت فيها الدولة للاستجابة للمتغيرات هو الإصلاح السياسي، وهو كفيل - في نهاية اليوم- إذا تمّ الالتزام به، بصورة أمينة وجادّة وتوافقية مع المعارضة التقليدية والجديدة، أن يحُدَّ من عمق الأزمة السياسية وأبعادها، وأن يأتي لنا ببرلمان جديد أكثر تمثيلاً وتعبيراً عن الشارع، ونوعية من النواب أفضل بعد توسيع الدوائر الانتخابية، وفي الوقت نفسه حكومات وفق قواعد جديدة للعبة السياسية تأخذ منحى أقرب إلى الصيغة الديمقراطية والتوافقية الوطنية.

مع ذلك، تبقى هنالك فجوة عميقة لا يزال "مطبخ القرار" عاجزاً عن التعامل معها، وتتمثّل في قراءة الإطار الكلي للتحولات الاقتصادية- الاجتماعية وما يترتب عليها من متغيرات سياسية ورمزية. فالدولة لم تبنِ رسالة سياسية وإعلامية جديدة واضحة صارمة، تحدّد فيها مفهوم العقد الاجتماعي المستقبلي (الحقوق والواجبات: ماذا تريد الدولة وماذا يريد المواطن؟)، بل على النقيض من ذلك تبدو رسالة الدولة اليوم مرتبكة وتائهة.

ارتباك رسالة الدولة ينعكس بعمق على العلاقة بينها وبين المجتمع والأفراد، وهو ما يؤدي إلى تعزيز سؤال الهوية الوطنية وهواجسها، ويمنح القوة للتيارات المتشككة ويعطي خطاباتها ذرائع كبيرة، وينعكس ذلك في غياب الرؤية الاستراتيجية، والاعتماد في إدارة الأزمات على طريقة "القطعة"، ما يؤدي إلى التخبط والفوضى وكأننا في "حرب الكل ضد الكل"، التي تدور رحاها حالياً، وتأكل من رصيدنا السياسي والمعنوي!

 اليوم، تبدو "المنطقة الوسطى"، التي يجب أن تقف عليها الدولة، مقفرة رخوة، مهزوزة، بل إنّ النخب الذين نجحت الدولة في التماهي معهم وجذبهم إليها في مراحل سابقة، ينفضّون عنها، ويعودون إلى اليمين هنا وهناك.

صحيح أنّ الإصلاح السياسي ضرورة ومسار حيوي وخصب لتأمين العبور الآمن للمرحلة المقبلة، لكنه غير كاف! إذ نحتاج الآن لمهمة عاجلة وعميقة تتمثل بالاستعانة بعقول مفكّرة خبيرة توصّف الأزمة بأبعادها المختلفة، وتضع رؤية استراتيجية لتجديد فلسفة الدولة لدينا وتعريف مهماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لبناء قدرتها على مواجهة التحديات والأخطار، حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً أمام الجميع، ما يقطع الطريق على حالة القلق والمخاوف مما تحمله المرحلة المقبلة.
]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@9.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1682" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@9.jpg" alt="" width="241" height="209" /></a> خلقت مقابلة سمو الأمير الحسن على الفضائية الأردنية صدى واسعاً لدى قطاعات مجتمعية عريضة، ممن حمّلوا الكلمات دلالات كبيرة، وبدت ردود الفعل خارج طبيعة المقابلة وحتى &#8220;الصفة الرسمية&#8221; للأمير، بوصفه مفكّراً ومثقفاً رئيساً لمنتدى الفكر العربي، ليس له موقع تنفيذي حالياً في الدولة، مما يجعل من تحجيم النقاش وتأطيره في الوضع الحقيقي له والصفة غير الرسمية للمقابلة أمراً مهماً ومطلوباً من القائمين على الأمر.</p>
<p>بعض العبارات التي استخدمها الأمير، وهي مرهونة بمرحلة كانت العلاقة بين الدولة والمجتمع ذات طابع أبوي مختلفة عن اللحظة التاريحية الراهنة، ضربت على العصب الاجتماعي والسياسي لمجتمع مغموس في أزمة سياسية واقتصادية، تهيمن عليه مناخات الربيع العربي والتوق لتغييرات سياسية عميقة نحو الحرية والديمقراطية، والتخلص من تبعات المرحلة السابقة.</p>
<p>خطورة التداعيات السياسية والشعبية للمقابلة أنّها تجاوزت الأمير إلى فتح جروح في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تجاوز ذلك عبر تجديد العقد الاجتماعي وتطويره، من خلال مشروع الإصلاح السياسي والدستوري. لكن صدى المقابلة مهم، من زاوية أخرى، إذ يعيد التأكيد على أنّ الشروط التي قامت عليها المعادلة السياسية منذ السبعينات إلى السنوات الماضية انتهت.</p>
<p>نحن أمام واقع جديد ومرحلة مختلفة في طبيعة العلاقة بين الدول والمجتمع، تجسّد في جوهر الأزمة السياسية، التي بدأت شرارتها تصيب العلاقة بين الدولة والحكومات والمجتمع منذ سنوات. أحد المسارات الناجحة التي مضت فيها الدولة للاستجابة للمتغيرات هو الإصلاح السياسي، وهو كفيل &#8211; في نهاية اليوم- إذا تمّ الالتزام به، بصورة أمينة وجادّة وتوافقية مع المعارضة التقليدية والجديدة، أن يحُدَّ من عمق الأزمة السياسية وأبعادها، وأن يأتي لنا ببرلمان جديد أكثر تمثيلاً وتعبيراً عن الشارع، ونوعية من النواب أفضل بعد توسيع الدوائر الانتخابية، وفي الوقت نفسه حكومات وفق قواعد جديدة للعبة السياسية تأخذ منحى أقرب إلى الصيغة الديمقراطية والتوافقية الوطنية.</p>
<p>مع ذلك، تبقى هنالك فجوة عميقة لا يزال &#8220;مطبخ القرار&#8221; عاجزاً عن التعامل معها، وتتمثّل في قراءة الإطار الكلي للتحولات الاقتصادية- الاجتماعية وما يترتب عليها من متغيرات سياسية ورمزية. فالدولة لم تبنِ رسالة سياسية وإعلامية جديدة واضحة صارمة، تحدّد فيها مفهوم العقد الاجتماعي المستقبلي (الحقوق والواجبات: ماذا تريد الدولة وماذا يريد المواطن؟)، بل على النقيض من ذلك تبدو رسالة الدولة اليوم مرتبكة وتائهة.</p>
<p>ارتباك رسالة الدولة ينعكس بعمق على العلاقة بينها وبين المجتمع والأفراد، وهو ما يؤدي إلى تعزيز سؤال الهوية الوطنية وهواجسها، ويمنح القوة للتيارات المتشككة ويعطي خطاباتها ذرائع كبيرة، وينعكس ذلك في غياب الرؤية الاستراتيجية، والاعتماد في إدارة الأزمات على طريقة &#8220;القطعة&#8221;، ما يؤدي إلى التخبط والفوضى وكأننا في &#8220;حرب الكل ضد الكل&#8221;، التي تدور رحاها حالياً، وتأكل من رصيدنا السياسي والمعنوي!</p>
<p> اليوم، تبدو &#8220;المنطقة الوسطى&#8221;، التي يجب أن تقف عليها الدولة، مقفرة رخوة، مهزوزة، بل إنّ النخب الذين نجحت الدولة في التماهي معهم وجذبهم إليها في مراحل سابقة، ينفضّون عنها، ويعودون إلى اليمين هنا وهناك.</p>
<p>صحيح أنّ الإصلاح السياسي ضرورة ومسار حيوي وخصب لتأمين العبور الآمن للمرحلة المقبلة، لكنه غير كاف! إذ نحتاج الآن لمهمة عاجلة وعميقة تتمثل بالاستعانة بعقول مفكّرة خبيرة توصّف الأزمة بأبعادها المختلفة، وتضع رؤية استراتيجية لتجديد فلسفة الدولة لدينا وتعريف مهماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لبناء قدرتها على مواجهة التحديات والأخطار، حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً أمام الجميع، ما يقطع الطريق على حالة القلق والمخاوف مما تحمله المرحلة المقبلة.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1681</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام&#8230; مقامات مشتركة للمجتمع العربي تراثية وحداثية (4 من 4)</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1678</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1678#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Feb 2012 11:15:14 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مساهمون في التغيير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1678</guid>
		<description><![CDATA[ومع ذلك حاول بعض العلمانيين عرباً وعجماً أن يستخدم الإرث الإنساني من حقوق إنسان وديموقراطية ومجتمع مدني وحتى العلوم الصحيحة أدوات حرب في معركته الأيديولوجية مع المتدينين، مسلمين وغيرهم، مبدئاً ومعيداً: أن الثمن الذي لا مناص لأهل الدين من دفعه للإفادة من هذه المفاهيم هو إعلان منهم صريح بالانسلاخ عن معتقداتهم الدينية، وهو ما كان قد لاحظه باحث تونسي بصدد استخدام مفهوم المجتمع المدني في تونس أداة حرب ضد الإسلاميين («المجتمع المدني»، مركز دراسات الوحدة العربية)، وينطبق الأمر نفسه مع مفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطية. وقد يسوق الماء إلى مجاري هؤلاء الاستئصاليين العلمانيين حمقى من الاستئصاليين الإسلاميين الذين جعلوا من حربهم على الديموقراطية وحقوق الإنسان همهم الأكبر مع أنهم ضحايا الديكتاتورية.

تأكيدنا الوصف الإنساني للآليات الديموقراطية ولمفاهيم حقوق الإنسان والمجتمع المدني لا يعني بحال تمحضها الكامل لهذا الوصف وعدم شوبها بشوائب من بيئاتها الغربية التي نبتت فيها ونمت حتى استوت على جودها، ولا يعني بحال أنها قد بلغت الكمال. الثابت أن مبادئ حقوق الإنسان كما ظهرت في الإعلان العالمي متأثرة ولا شك بما في البيئة الغربية من إرث ديني مسيحي وبما فيها بخاصة من مذهب طبيعي ومزاج ليبرالي علماني بما جعل حرية الفرد هي الأصل الذي لا ينبغي ضبطه إلا في حدود ضيقة جداً تخرق النظام العام.

]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div id="bodyResize">
<div>
<div>
<div>راشد الغنوشي *</div>
</div>
</div>
<div>
<div><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@8.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1679" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@8.jpg" alt="" width="259" height="194" /></a>تكتسب إعلانات حقوق الإنسان وحرياته، لا سيما الإعلان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 وما تفرع عنه من لواحق، أهمية بالغة ترتفع بها إلى مستوى الحقائق المطلقة، بعد أن غدت أيديولوجيا لأعظم دولة في العصر وللمعسكر المنتصر في الحرب الباردة، يوزن بها سلوك الدول تحضراً وتخلفاً، وتتم بها تعبئة الجيوش ويسوغ بها انتهاك حرمة سيادة الدول من طرف القوى المنتصرة الممسكة بذلك الميزان تتصرف به كما تشاء وتنزل سيفه على من تريد. كما اكتسب قوة تشريعية غدا معها توطئة لكثير من الدساتير توجه فصوله، وقوة قضائية دولية تراقب مدى التزام الحكومات به في تشريعاتها وأحكامها، كما تحول إلى فلسفة ثقافية تقاس بها ثقافات الشعوب ودياناتها، لا سيما من خلال شبكة الجمعيات المنبثة في شكل مترابط في أرجاء العالم انبثاثاً ينافس معابد أكثر الديانات انتشاراً وتمول كثيراً منها مؤسسات رأسمالية عملاقة في اختراق سافر لسيادة الدول.</div>
</div>
</div>
<p>غدت تلك الشبكة الدولية تشكل مجتمعاً مدنياً دولياً وسلطة رقابية مهمة جداً للحد من انتهاكات الدول لحريات الأفراد والجماعات وحقوقها، ومصدر ضيق وإزعاج للأنظمة الديكتاتورية، ونصيراً نشطاً لقوى التغيير وأنصار الحرية، وذلك على رغم ما قد يشوب عملها من شوائب.</p>
<p>بيئة المنشأ</p>
<p>وتأثرت إعلانات حقوق الإنسان ببيئة المنشأ ذات الفلسفة الليبرالية العلمانية، بما جعل التركيز أكثر على مبادئ المساواة والحريات والحقوق الفردية، كالحق في الحياة والحرية والتفكير والاعتقاد والتعبير والانتقال، والحق في الملكية الخاصة والإقامة واللجوء، لكنها لم تهمل تحت ضغط الفلسفات الاجتماعية، النظر للإنسان في علاقته بمحيطه الاجتماعي كمواطن، فنصت على حقه في تكوين الأسرة وعلى حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كحقه في إدارة الشأن العام عبر الانتخاب ناخباً أو منتخَباً كحقه في تكوين المؤسسات السياسية والانتماء إليها، من دون تمييز على أساس الجنس أو اللون أو الاعتقاد أو أي أساس آخر.</p>
<p>ومبادئ حقوق الإنسان، على رغم أن واضعيها أرادوا لها أن تكون عالمية التوجه تخترق كل الأنظمة والثقافات فإنها بحكم المنشأ في البيئة الليبرالية الديموقراطية قد غدت بمنزلة صيغة أخرى عن النظام الديموقراطي أو لازماً من لوازمه، ففي المصطلح الدستوري الحديث يقصد بالحريات السياسية أن تكون الأمة مصدر السلطات وصاحبة السيادة العليا تمارسها عبر انتخابات دورية لممثليها وعبر الاستفتاءات وتكوين الجمعيات المهنية والسياسية وعبر الاحتجاج السلمي.</p>
<p>ومن ضمانات تلك الحقوق استقلال القضاء وحرية الصحافة وتكوين الجمعيات، وفصل السلطات، بما يعلي من شأن القانون باعتباره معبّراً عن الإرادة العامة، فتكون الدولة بحق دولة قانون. وبما ييسر عملية المحاسبة والشفافية وقوامية الرأي العام على النخبة الحاكمة، ويوفر الفرص لتجديد نخبة الحكم والتداول السلمي للسلطة بصورة سلسة لا تهرق فيها قطرة دم، وهي العملية التي تعد أعظم إنجاز للنظام الديموقراطي المعاصر، بما توفر عليه من آليات محددة للوصول إلى القرار الجماعي عبر عمليات معقدة من تبادل الضغوط بين مختلف القوى ومحاولات جماعات النخب في استمالة الرأي العام وتصارع البرامج والبحث الناصب في حالة عدم حسم المعركة لمصلحة طرف عن وفاقات وتحالفات، بما يجعل عملية اتخاذ القرار معقدة جداً وعصيبة ولا سيما في السياسات المهمة، وهو فارق مفصلي بين النظام الديموقراطي والنظام المستبد، حيث تتخذ القرارات المصيرية بأسرع من البرق.</p>
<p>إن الديموقراطية لا تختزل في العملية الانتخابية وحق الأغلبية في الحكم وحق الأقلية في المعارضة، بما يترك أمامها باب الأمل مفتوحاً للحكم، إنها أبعد من ذلك، تتطلب سياسات حكومية وغير حكومية لضمان مستوى معقول من ظروف العيش والسكن والدواء والتعليم وحماية الطفولة، وذلك حتى يكون للمساواة والانتماء للوطن المشترك معنى.</p>
<p>مفهوم المجتمع المدني</p>
<p>وثمة مفهوم آخر غدا قريناً للديموقراطية وحقوق الإنسان، هو مفهوم المجتمع المدني أو الأهلي، فالقيم الأساسية للمجتمع المدني كالمبادرة والمشاركة والتعاون والمساواة والحرية هي شرط الديموقراطية، وفق تعبير أستاذ العلوم السياسية جون كين («المجتمع المدني» ص 88)، إذ لا مجتمع مدنياً إلا حيث يمكن المواطنين أن يختاروا هوياتهم ويديـــروا شؤونهم ويرسموا مصيرهم ويحققوا كرامتهم في الدنيا والآخرة، وفق تعبير مهاتير محمد.</p>
<p>والديموقراطية خلافاً لغيرها من الأنظمة تجعل النظام السياسي ومؤسساته متميزة عن المجتمع المدني ومؤسساته، بما يجعل السياسة لا تستغرق النشاط الاجتماعي، وبما يفسح المجال واسعاً أمام مبادرات الأفراد الجماعية الطوعية لتنمية مواهبهم وقواهم البدنية والروحية والعقلية، ودعم التماسك الاجتماعي والتصدي لمعالجة ضروب شتى من المشاكل، بتأسيس المؤسسات وإدارتها بطرق ديموقراطية وتعبئة نزوعات الخير الفطري لدى الناس لإشباع حاجاتهم وتنظيم صفوفهم وتنمية فاعليتهم بما يقوي جانبهم ويحد من سلبيتهم وتعويلهم على أجهزة الدولة في استقلال عنها. وذلك مفصل آخر بين المجتمعات الديموقراطية والمجتمعات التوتاليتارية، حيث تكون الدولة عملاقاً فيما يبدو المجتمع قزماً، والحقيقة أنها لا تقل عنه ضعفاً، لأنه يمكن تصور مجتمع قوي وحكم ضعيف، مثل إيطاليا، ولكن لا يمكن تصور مجتمع ضعيف ودولة قوية، ذلك وهم.</p>
<p>وعلى رغم ما حصل من تنازع خلال مناقشة مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بين من أراد تأصيل مبادئه في تراث الفلسفة المادية الغربية والمذهب الطبيعي وبين من أراد وصله بالمسيحية، فقد انتهى القوم إلى تجريد بنود الإعلان ولواحقه من كل خلفية فلسفية، بما يجعله صالحاً للإفادة منه في مختلف البيئات الثقافية وتبيئته فيها.</p>
<p>ومع ذلك حاول بعض العلمانيين عرباً وعجماً أن يستخدم الإرث الإنساني من حقوق إنسان وديموقراطية ومجتمع مدني وحتى العلوم الصحيحة أدوات حرب في معركته الأيديولوجية مع المتدينين، مسلمين وغيرهم، مبدئاً ومعيداً: أن الثمن الذي لا مناص لأهل الدين من دفعه للإفادة من هذه المفاهيم هو إعلان منهم صريح بالانسلاخ عن معتقداتهم الدينية، وهو ما كان قد لاحظه باحث تونسي بصدد استخدام مفهوم المجتمع المدني في تونس أداة حرب ضد الإسلاميين («المجتمع المدني»، مركز دراسات الوحدة العربية)، وينطبق الأمر نفسه مع مفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطية. وقد يسوق الماء إلى مجاري هؤلاء الاستئصاليين العلمانيين حمقى من الاستئصاليين الإسلاميين الذين جعلوا من حربهم على الديموقراطية وحقوق الإنسان همهم الأكبر مع أنهم ضحايا الديكتاتورية.</p>
<p>تأكيدنا الوصف الإنساني للآليات الديموقراطية ولمفاهيم حقوق الإنسان والمجتمع المدني لا يعني بحال تمحضها الكامل لهذا الوصف وعدم شوبها بشوائب من بيئاتها الغربية التي نبتت فيها ونمت حتى استوت على جودها، ولا يعني بحال أنها قد بلغت الكمال. الثابت أن مبادئ حقوق الإنسان كما ظهرت في الإعلان العالمي متأثرة ولا شك بما في البيئة الغربية من إرث ديني مسيحي وبما فيها بخاصة من مذهب طبيعي ومزاج ليبرالي علماني بما جعل حرية الفرد هي الأصل الذي لا ينبغي ضبطه إلا في حدود ضيقة جداً تخرق النظام العام.</p>
<p>وهو، ولا شك، لا يعبر عن كثير من الثقافات التي تجعل مكاناً أعظم للمصلحة الجماعية، أو تفسح مكاناً لرقابة عليا على ضمير الفرد وعلى ضمير المشرع وعلى كل سلطات الدولة، مثل الرقابة الإلهية عبر الوحي، مع أن غالبية الناس لا تزال تؤمن بعالم الغيب، بما يجعل تجاهلها ليس من الديموقراطية بل هو الاستبداد، ولا سيما أن القرن المنصرم الذي حكمته العلمانية كان أكثر عصور التاريخ دموية وتعرض فيه البشر لأول مرة في التاريخ المعروف لخطر الفناء الجماعي. بل الطبيعة ذاتها كادت تختنق ويختنق معها الإنسان، ناهيك عن تفشي الأوبئة الكاسحة مثل مرض فقدان المناعة (40 في المئة من أطفال جنوب أفريقيا يحملون الجرثوم)، والمخدرات، وتفكك الروابط الجماعية كالأسرة، واجتياح الفقر مليارات البشر مقابل الترف الفاجر، إلى جانب فشوّ كارثة الشذوذ الجنسي حتى بلغ نصف السكان في بعض المجتمعات، وكل ذلك وغيره يشهد على عجز الحرية عن تنظيم الحياة وضبط الغرائز والاندفاعات الفردية والجماعية، وهو ما يؤكد الحاجة للدين أساساً لمبادئ الديموقراطية وحــقوق الإنســان والمجتمع المدني.</p>
<p>تأصيل المبادئ</p>
<p>ولا يعني ذلك إلغاء هذه الآليات والمبادئ التي يغلب عليها الوصف الإنساني، وإنما المقصود تأصيلها في البيئة الثقافية الخاصة بمجتمعنا، وهي بيئة صاغتها رسالات السماء، لا سيما الإسلام، فكل خير جديد لم توصل أسبابه به حتى يصطبغ بصبغته ويستحيل جزءاً منه يغدو هضمه عسيراً على الناس وفعله فيهم محدوداً، لقد تشكلت أجهزة التلقي في أمتنا على نحو يجعلها لا تستجيب إلا لنداء العلماء الذين تثق في دينهم ويخاطبونها باللغة التي تفهمها لغة «قال الله، قال الرسول»، لغة الحلال والحرام والواجب والمندوب والجنة والنار، تلك هي قناة التلقي للجديد في العقل الجمعي لأمتنا.</p>
<p>ولا يعني هذا بحال التهوين من شأن وثيقة الإعلان مثلاً، فهي بحق إنجاز إنساني حري بالاحتفاء، على رغم بعض الشوائب، ولا يضيره محاولات توظيفه من طرف بعض قوى الهيمنة أو التبجح به، نفاقاً من قبل أهل الحداثة المغشوشة، فقد فعلوا ذلك مع كل الشعارات الجميلة.</p>
<p>والحق أن الباحث الموضوعي في الإسلام ومكانة الاستخلاف المتميزة التي خص الله بها الإنسان ومكانة الشورى ركناً أساسياً لا في إدارة شؤون الدولة وحسب بل في إدارة كل علاقة بشرية، وكذا مكانة الجماعة والإجماع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والجهاد، إلى حملة القرآن الثابتة والشرسة على شخصية فرعون رمزاً للديكتاتور ومصيره المهلك، ليستيقن من وثاقة القربى بين هذه المفاهيم الحديثة، مثل حقوق الإنسان والديموقراطية والمجتمع المدني وبين الإسلام وتراثه المتميز في تأصيل التعددية في المجال الديني، وهو مجال المقدس، بما يجعل قبول التعدد في غيره من باب الأولى.</p>
<p>وعلى رغم بأس المسلمين على بعضهم لم يؤله بعضهم بعضاً، وما تحاربوا في الدين ولكن في السياسة، ولذلك كانوا أرحم فاتح، ولم يبلغ الغرب حتى اليوم شأوهم في التسامح الديني باعتراف المختصين، كما عرف تاريخنا الحضاري مجتمعات رافلة بالعلوم والآداب والفنون والصنائع والتكايا والمدارس والمساجد ودور الأيتام ورعاية الحيوانات الزمنة، إلى آخر ما هو معروف كأثر من الرحمة الإسلامية والأخوة الإنسانية والكونية. ويكفي التعرف إلى مؤسسة الوقف، وهي ثمرة من ثمار توجيه ديني للرسول الأعظم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له»، كان هذا التوجيه كافياً لتوفير موارد مالية ضخمة لخدمة المجتمع في وجوه من النفع العام لا تحصى كثرة. في تونس مثلاً كان ثلث الملكية الزراعية وقفاً، وذلك قبل أن تبلى البلاد بحداثة مغشوشة صادرت كل ذلك إخاء للمجتمع وتأهيلاً للدولة.</p>
<p>ومعنى كل ذلك أن ما خالط مفاهيم حقوق الإنسان وإعلاناتها وكذا ما خالط آليات الديموقراطية لتنظيم الحريات في إطار نظام سياسي، وكذا ما حفّ بمفهوم المجتمع المدني من ملابسات ليست من أصله لا يصلح سنداً لتأسيس رفض الأخذ بهذه المفاهيم والآليات والعمل على تطويرها وتأصيلها في بيئتنا بما يحيلها جزءاً منها ونتاجاً من إنتاجاتها، إنه ما ينبغي لنا أن نكون من قوم من أقوام العرب وصفهم المؤرخ النابه هشام جعيط فقال عنهم: إنهم يفضلون ألا يحصلوا على الشيء من أن يحصلوا عليه ناقصاً.</p>
<p>وما من شك في أن حاجة أمتنا إلى الحرية وحقوق الإنسان ودعم سلطة المجتمع عبر دعم مبادراته التنظيمية الطوعية أشد من حاجتها إلى النفط والمعادن النفيسة، إن المشكل ليس في نقص تلك المفاهيم، وهي بالتأكيد ناقصة وقابلة للاستدراك، ولكن في عدم توافر الاستعداد لدى أنظمتنا مؤيدة بقطاع من النخبة انخرط مع جوقة الأميركيين والصهاينة وحمائم السلام في العزف على قيثارة الخطر الأصولي، والإصرار بالليل والنهار على ربط الإسلام بالعداء لكل ما تحبه النفوس وناضلت من أجله كالديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة وحرية الإبداع.</p>
<p>ويكفي أن يسمع منا نقداً لجملة وردت في الإعلان كإباحته للمسلمة الزواج بغير المسلم، أو إلحاحنا على سلطة الوحي التوجيهية للفرد والجماعة، حتى يرغي ويزبد معلناً كفرنا بالمذهب الإنساني جملة، وكأن هذه المفاهيم البشرية قد بلغت الكمال المطلق. كلا، نحن نعدها إنجازاً إنسانياً مهماً جداً، لكنه قابل للاستدراك من دون أن يمنعنا ذلك من الدعوة إلى اعتبار هذه الآليات والمفاهيم أرضاً أو مقاماً مشتركاً، وفق تعبير أستاذنا محمد الطالبي، مؤهلاً لإرساء نواة ومنطلقاً لإجماع جديد لا محيد عنه، من أجل التوصل إلى عقد جديد لاجتماعنا السياسي المنفرط. فلنجتمع على هذه الآليات والمفاهيم بقطع النظر عن المداخل الفلسفية إليها، التي قد تختلف، من دون أن يضير ذلك بإمكان اللقاء في هذا المقام المشترك. ومن خلال الممارسة العملية والتأمل فيها سنكتـشف النواقص وسبل تطويرها.</p>
<p>* زعيم حركة النهضة التونسية، حزب الغالبية في حكم ما بعد الثورة، والنص مقطع من كتابه الجديد «الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» الذي يصدر قريباً عن الدار العربية للعلوم &#8211; ناشرون في بيروت ومركز الجزيرة للدراسات في الدوحة.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1678</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام&#8230; الفصل بين خطاب إسلامي عربي وآخر غير عربي؟ (3 من 4)</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1675</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1675#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 18 Feb 2012 11:10:22 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مساهمون في التغيير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1675</guid>
		<description><![CDATA[لم يكن بد للحركة الإسلامية من أجل دخول السوق وإثبات جدارتها فيها دون تقديم رؤاها وبدائلها منطلقة من الإسلام مستجيبة للتحديات، وإلا نبذها السوق، فكان عليها أن تطور فكرها الذي ورثت جوانب منه عن فكر مشرقي ليست مطروحة عليه نفس تلك التحديات، فدلفت إلى السوق الإسلامية تبحث فيه عن مواد مخصوصة تستجيب تحدياتها المطروحة عليها، وانصرفت عن مواد أخرى لا تتصل باهتماماتها.

مثلاً، في فكر الترابـي عن دور المرأة وتأصيل الديموقراطية، وفي فكر شريعتي الأيديولوجي، وفي طرح الخميني للإسلام أنه ثورة المستضعفين، وفي فكر ابن نبـي الاجتماعي في تحليل ظاهرة الحضارة، وفي فكر باقر الصدر الاقتصادي، وجدت في كل ذلك مواد صالحة وأسلحة مجدية لخوض هذه المعارك الدائرة في بيئتها. وفي ضوئها أقبلت على القيام بمراجعة فكرها وتطويره للاقتدار على استيعاب تحديات الواقع في منظورات وقوالب إسلامية، مثّلت تجربة مبكرة في تبني القضايا الأساسية في الفكر الإنساني مثل الديموقراطية نظاماً للحكم ونهجاً في التغيير، وكذا حقوق الإنسان ومنها حقوق النساء وحقوق الأقليات والنضال العالمي ضد قوى الهيمنة، وهو ما أهلنا للقاء مع مطالب العمال ومطالب الحركة الديموقراطية وقضايا تحرر المرأة والتحمس في وقت مبكر لحركة النضال ضد التمييز العنصري، هذا المنتج الفكري جاء ثمرة لتفاعل مع واقع معين يطرح تحديات معينة.

بينما الذين لم يكونوا يعيشون ذلك الواقع عندما فاجأتهم هذه الأطروحات في بداية الثمانينات تجهموا في وجهها واستوحشوها، بل ضللنا بعضهم وإن تناقصوا بمرور الزمن فلم تعدم الساحة بقاياهم، في حين تفاعل معها أقوام آخرون يجابهون تحديات مماثلة في المغرب الأقصى مثلاً وفي تركيا وفي إندونيسيا فأقبلوا على ترجمتها، بينما الذين كتبت بلغتهم استوحشوها ولم يأخذوا في الإقبال عليها إلا في فترات لاحقة بعد سلسلة من المحن فرضت عليهم أن يقبلوا التفاعل والعيش في واقع تعددي
]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@7.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1676" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@7.jpg" alt="" width="279" height="180" /></a>راشد الغنوشي *</div>
<div id="bodyResize">
<div>
<div>
<div>كل ما هو مصلحة للعباد وخير وعدل ومعقول لا يمكن إلا أن يجد له مكاناً مريحاً في الإسلام، مثل مبادئ الحكم الديموقراطي وحقوق الإنسان، إلى سائر النظم والترتيبات الإدارية والإنتاجية التي ثبت نفعها للناس، وذلك إما في نصوصه الصريحة أو في مقاصده الثابتة، وبصرف النظر عن بعض الجزئيات القليلة المختلفة مع ما ورد في الإعلانات والعهود الدولية لحقوق الإنسان والتي يحدث حول بعضها الاختلاف داخل الديموقراطيات الغربية نفسها، مثل العقوبات على بعض الجنايات كجناية القتل العمد، هل يعاقب عليه بالقصاص أم بالسجن أم بالدية أم بعفو ولي الدم؟ ومن مثل الضوابط على العلاقات الجنسية ومنها العلاقات الزوجية، عدا جزئيات محدودة فإن الاتجاه العام هو التوافق والانسجام.</div>
</div>
</div>
</div>
<p>ونحن نؤكد أن هذا هو الاتجاه العام للحركة الإسلامية في العالم، الاتجاه صوب التوافق مع الإرث الإنساني لا التصادم، الاتجاه صوب الاعتدال ورفض العنف سبيلاً للمعارضة أو نهجاً في الحكم، إلا أن يكون دفعاً للاحتلال، والقبول بالتعددية السياسية وسائر مقومات النظام الديموقراطي، بما في ذلك التداول السلمي على السلطة.</p>
<p>تعرض الإسلام ولا يزال مثل غيره من الأيديولوجيات بما في ذلك مبادئ حقوق الإنسان والديموقراطية والمجتمع المدني، لتأثيرات الجهل أو التحامل أو الرغبة المصممة في التطويع والتوظيف من قبل حكومات طاغية وجهات مغرضة ليتحول مجرد أداة بل ربما «أبرز المعوقات الثقافية لنشر واحترام الثقافة والشرعية الحقوقية في العالم العربي والغطاء الديني الذي تضفيه بعض الحكومات والجماعات الدينية وبعض المؤسسات الدينية الرسمية وقياداتها على الانتهاكات المستمرة للحريات الأساسية في العالم العربي أو على تحفظات الحكومات على الاتفاقيات والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان»، كما ورد في الورقة التأطيرية لهذه الندوة.</p>
<p>ورغم التجزئة السياسية التي فرضها ميزان القوة الدولي على الأمة الإسلامية، فلا هي توحدت على العقيدة كما كانت لأطول فترات تاريخها ولا توحدت حتى شعوباً على أساس المصالح، وبالخصوص العرب الذين فرض عليهم مستوى أتعس من التجزئة، ورغم أنه قد بذلت جهود جبارة لاصطناع أسس ثقافية تعطي مشروعية لهذه التجزئة فإن مشاعر الوحدة الإسلامية لا تزال قوية بين المسلمين تبدو بالخصوص عند الكوارث، فيتحول المسلمون قلباً واحداً يبكي المنكوب.</p>
<p>هوية جامعة</p>
<p>وقد ظل الإسلام ينهض بتوحيد يتجاوز العقيدة إلى الشعور بالهوية الواحدة الجامعة لكل معتنقيه وإلى الثقافة والفكر ورؤية الذات ماضياً ومستقبلاً، في إطار تلك الهوية الموحدة، على نحو لا يبدو معه يسيراً إقامة معالم واضحة لفكر إسلامي قومي يناظر الدول القومية القائمة أو حتى اللغات الناطقة، بله إقامة فواصل واضحة بين فكر إسلامي عربـي وآخر إسلامي غير عربـي، وهي مسلمة أساسية قامت عليها بعض النقاشات، افترضت دون برهان أن المفكرين المجددين في العالم العربـي يعانون من محدودية التأثير وربما الانعزالية»، وذلك مقابل ما حققه المسلمون في آسيا وأفريقيا وأوروبا من تجديد نسبـي لخطاباتهم الدينية انعكس بدرجات متفاوتة على نشر واحترام ثقافة حقوق الإنسان بين مسلمي العالم غير العربـي.</p>
<p>وأياً كان التقدير لتجديد الخطابات الدينية في العالم الإسلامي غير العربـي فإن المقارنة بالعالم غير العربـي لن تكون لمصلحة هذا الأخير، حتى لو سلمنا بصحة الفرضية، والمشكل أن العالم العربـي يعاني من نقص كبير في مدى معرفته بما حققه المسلمون في آسيا وأفريقيا وأوروبا من تجديد نسبـي لخطاباتهم الدينية، وأعجب ما في الأمر أن العالم العربـي لا يزال يتعامل مع خطاباته الإسلامية بوصفها مركزاً للفكر الإسلامي، فما صدقية هذه الفرضيات؟</p>
<p>أ- ليس من اليسير أن نظفر عند مسح منتوج الفكر الإسلامي على امتداد عالم الإسلام بفواصل قومية تميز شعباً من شعوب المسلمين بله دولة من دولهم، بمذهب إسلامي يتماهى مع ذلك الشعب أو تلك الدولة، بقدر ما نجد أنفسنا إزاء مدارس فقهية وعقيدية وحركات إسلامية هي امتداد للماضي أو مستحدثة، ليس منها مدرسة تتماهى مع دولة حتى أصغرها مثل المذهب الإباضي، فرغم أنه المذهب الرسمي لدولة عمان فإن أكثر من ثلث السكان على مذاهب سنية وربما كان عدد إباضيي الجزائر أكبر من مثلهم في عمان مع وجود أتباع المذهب في بلاد كثيرة.</p>
<p>ويصدق ذلك على بقية المذاهب الإسلامية السنية والشيعية موزعة في الأمة على امتداد القارات الخمس اليوم. ومعظم مسلمي أوروبا هم امتداد لأصولهم العرقية والمذهبية في البلاد الإسلامية لا يتمايزون عنها حتى الآن بشيء يذكر.</p>
<p>ب-ولا يختلف أمر المذاهب الموروثة عن حال مدارس التجديد الحديثة في عالم الإسلام، ليس هناك مركز وأطراف، وإنما هناك فضاء ثقافي عقدي لا يكاد يعترف بما فرض من حواجز سياسية، إذ يتعلق الأمر بالتعامل مع الإسلام، شأن المسلمين عندما يطوفون حول البيت الحرام، تختفي أو تكاد الحواجز بينهم، فلا يبقى من نداء غير نداء التوحيد، لبيك اللهم لبيك، وتتشابه المظاهر إلى أبعد الحدود حتى لكأنهم كيان واحد.</p>
<p>فكر معولم</p>
<p>بشيء من التجوز نستطيع أن ندعي أن الفكر الإسلامي معولم إلى حد كبير، إنه سوق حرة لا تتوسطها كنيسة تفرض على المسلم وساطة محددة في التوجه إلى ربه، فكل مسؤول عن خياره، هم يعلمون أن ختم النبوة أنهى كل وصاية على البشر، وجعل من كل مسلم خليفة لله ورسوله مسؤولاً عن دينه أمام الله عز وجل، فعليه أن «يجتهد» وسعه في معرفة الطريق إلى ربه، وسيجد نفسه وسط مذاهب كثيرة وسيستمع إلى أصوات كثيرة تجتذبه إليها، وعليه وحده تقع مسؤولية الاختيار «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» (الزمر:18) يستمع لكل قول ويستفتي قلبه ليتبع ما يهديه إليه اجتهاده، تلك مسؤوليته.</p>
<p>المكتبة الإسلامية لا تعرض الإسلام دولاً وشعوباً وإنما مدارس، لذلك قد تجد مفكراً إسلامياً مقروءاً خارج الدولة التي نشأ فيها أكثر مما هو مقروء في دولته، الإمام مالك بلغة اليوم سعودي ولكنه متبوع في أفريقيا، ومالك بن نبـي الجزائري أحسب أنه قرئ في تونس، تأثرنا بتراثه أكثر مما تأثر به الجزائريون، وربما نكون تأثرنا بالمفكر الإيراني علي شريعتي أكثر مما تأثر به الإيرانيون، بالخصوص بعد الثورة التي همشته لمصلحة فكر المراجع الرسمية. كما أن كتب المفكر السوداني حسن الترابـي وراشد الغنوشي التي ترجمت إلى التركية أثرت في الحركة الإسلامية التركية أكثر مما أثرت في بلاد عربية.</p>
<p>ج-للوقوف على سر انتشار هذا الفكر هنا وضموره هناك لا مناص من الوقوف على حاجات واقع محدد ومطالبه والتحديات التي يطرحها على الإسلاميين في تلك البيئة، فالإسلاميون الذين نشأوا في وسط تسود فيه تحديات من نوع فكري علماني اجتماعي سيبحثون عن بضاعة فكرية إسلامية عقلانية تستجيب ذلك التحدي، بينما مسلمون آخرون في قلب جزيرة العرب في نجد مثلاً ليس مطروحاً عليهم مثل ذلك التحدي ستكون قضاياهم من نوع آخر، مثل التدقيق والتنخيل في جزئيات العقائد وقضايا البدع.</p>
<p>تحديات تونس</p>
<p>الحركة الإسلامية في تونس مثلاً منذ ولادتها في بداية سبعينات القرن الماضي محاطة ببيئة فكرية معلمنة لم تطرح على نفسها قضايا الشريعة، لأن الإسلام نفسه من حيث كونه عقيدة وشعائر وهوية كان في الميزان والشك في إطار دولة شديدة العلمنة والتسلط، فلم يكن عجباً أن يجيء طرح مثل هذه الحركة للإسلام فكرياً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، إثباتاص لجدارته في ساحة الجدل مع المذاهب المادية المطروحة واستيعاباً للمطالب المطروحة في الساحة السياسية نضالاً ضد الاستبداد لمصلحة بديل ديموقراطي ودعماً للحركة النقابية العمالية ضد الجشع الرأسمالي وتأصيلاً لدور المرأة في معركة النهوض الشاملة،وكلها تحديات مطروحة في السوق التونسية.</p>
<p>لم يكن بد للحركة الإسلامية من أجل دخول السوق وإثبات جدارتها فيها دون تقديم رؤاها وبدائلها منطلقة من الإسلام مستجيبة للتحديات، وإلا نبذها السوق، فكان عليها أن تطور فكرها الذي ورثت جوانب منه عن فكر مشرقي ليست مطروحة عليه نفس تلك التحديات، فدلفت إلى السوق الإسلامية تبحث فيه عن مواد مخصوصة تستجيب تحدياتها المطروحة عليها، وانصرفت عن مواد أخرى لا تتصل باهتماماتها.</p>
<p>مثلاً، في فكر الترابـي عن دور المرأة وتأصيل الديموقراطية، وفي فكر شريعتي الأيديولوجي، وفي طرح الخميني للإسلام أنه ثورة المستضعفين، وفي فكر ابن نبـي الاجتماعي في تحليل ظاهرة الحضارة، وفي فكر باقر الصدر الاقتصادي، وجدت في كل ذلك مواد صالحة وأسلحة مجدية لخوض هذه المعارك الدائرة في بيئتها. وفي ضوئها أقبلت على القيام بمراجعة فكرها وتطويره للاقتدار على استيعاب تحديات الواقع في منظورات وقوالب إسلامية، مثّلت تجربة مبكرة في تبني القضايا الأساسية في الفكر الإنساني مثل الديموقراطية نظاماً للحكم ونهجاً في التغيير، وكذا حقوق الإنسان ومنها حقوق النساء وحقوق الأقليات والنضال العالمي ضد قوى الهيمنة، وهو ما أهلنا للقاء مع مطالب العمال ومطالب الحركة الديموقراطية وقضايا تحرر المرأة والتحمس في وقت مبكر لحركة النضال ضد التمييز العنصري، هذا المنتج الفكري جاء ثمرة لتفاعل مع واقع معين يطرح تحديات معينة.</p>
<p>بينما الذين لم يكونوا يعيشون ذلك الواقع عندما فاجأتهم هذه الأطروحات في بداية الثمانينات تجهموا في وجهها واستوحشوها، بل ضللنا بعضهم وإن تناقصوا بمرور الزمن فلم تعدم الساحة بقاياهم، في حين تفاعل معها أقوام آخرون يجابهون تحديات مماثلة في المغرب الأقصى مثلاً وفي تركيا وفي إندونيسيا فأقبلوا على ترجمتها، بينما الذين كتبت بلغتهم استوحشوها ولم يأخذوا في الإقبال عليها إلا في فترات لاحقة بعد سلسلة من المحن فرضت عليهم أن يقبلوا التفاعل والعيش في واقع تعددي.</p>
<p>د-قد يغري التمييز بين عالم إسلامي عربـي وآخر غير عربـي كما ذهب إلى ذلك مفكر ومؤرخ فرنسي حديث في كتابه «موعد مع الإسلام» اعتبر فيه أن إصلاح الإسلام حتى يستوعب قيم الحداثة ويتصالح مع الديموقراطية سيبدأ من خارج العالم العربـي الذي هو ميؤوس منه بسبب هيمنة الأصولية السنية عليه وليدة فشل القومية في توحيد العرب ما أدى إلى نـزعة فاشية عدوانية أفرزت ابن لادن، وأن العلاج سيأتي من خارج العالم العربـي من تركيا وإيران».</p>
<p>قد يغري بهذا التمييز ما يلاحظ من نجاح ديموقراطي نسبـي في العالم الإسلامي غير العربـي مقابل فشل ديموقراطي عربـي واضح، وهذه حقيقة كشفتها مؤشرات تنموية كثيرة أحلت العالم العربـي في مؤخرة ركب الأمم، حتى ليصح القول إن معظم المسلمين وهم غير عرب يتمتعون بمستوى من مستويات الحياة الديموقراطية خلافاً لمعظم العرب الذين يرزحون تحت حكم أنظمة أقرب إلى الفاشية. أيعود الأمر إلى بنية مخصوصة في العقل العربـي كما يزعم البعض أم هو ثمرة لفشل المشروع القومي ما أورث العرب أزمة وظهور نـزعات فاشية؟</p>
<p>موقع العرب</p>
<p>هـ- تفسير الفشل القائم بالإعاقة الذاتية الأنطولوجية التكوينية هو تفسير عنصري دحضته العلوم دحضاً، فالبشر كلهم يتوافرون على قابليات للتحضر إذا توافرت لهم الظروف المناسبة، فعلينا البحث في ظروفهم الموضوعية لتفسير ما يصيبون من نجاح أو فشل وليس عن جيناتهم البيولوجية أو الثقافية.</p>
<p>وانطلاقة العرب الأولى يوم استنارت قلوبهم برسالة الإسلام وكانوا أبعد الناس عن التحضر شاهدة على ذلك، وكذا شعوب كثيرة قديمة وحديثة. وكذا الانطلاقة المعاصرة لشعوب آسيوية تعبد الأبقار أو الأحجار. أما تفسير الفشل التحديثي أو الديموقراطي بفشل المشروع القومي في توحيد أمة العرب وفي إرساء نظام ديموقراطي حديث، ما أورثها نـزوعات فاشية عدوانية جعلها ميؤوساً منها فهو من باب تفسير الشيء بذاته، هم فاشلون في التحديث والديموقراطية لأنهم فاشلون فيهما.</p>
<p>أما التفسير الأقرب إلى العلمية فهو الذي يلقي الضوء على موقع العرب في الإستراتيجية الدولية الإمبريالية من حيث منزلتهم في الإسلام القيادية، ومن حيث وقوعهم في عقدة التواصل بين القارات، ومن حيث توافر أرضهم على الطاقة التي تحرك العالم، ما اقتضى تصميماً دولياً على إعاقة كل محاولة لوحدتهم القومية أو لنهوضهم الإقليمي والحضاري، وما اقتضته من غرز الكيان الصهيوني في القلب منهم عاملاً آخر لضمان التعويق.</p>
<p>ونظرة واحدة لمحاولات نهوضهم منذ تجربة محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى أيامنا هذه تكشف بوضوح عن قرار دولي بإعاقة كل مشروع نهضوي أياً كان الفريق الذي يقودهم علمانيا أم إسلامياً أو اشتراكياً. هذه تفاصيل لا تهم الإستراتيجي الغربـي، فضلاً عما يجد الكيان الصهيوني من دعم ثابت وما تجد الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة من دعم لاستمرار تسلطها على شعوبها، مقابل ما وجدت مشاريع التحول الديموقراطي في العالم من دعم غربـي، والموقف الرافض لأنظف عملية ديموقراطية جرت في المنطقة، أعني الانتخابات الفلسطينية الأخيرة شاهد حديث.</p>
<p>المدرسة التركية</p>
<p>و-أما النجاح الديموقراطي النسبـي في عالم الإسلام غير العربـي، فتفسيره ليس عائداً إلى توافر قدر من فكر التجديد هناك لم يستوعبه العرب جهلاً أو استعلاء، منبعثاً من نوع مركزية عربية سائدة، فذلك تفسير عجول، فقد سبق منا القول إن الإسلام سوق دولية لا تعرف فيها البضائع بالمنشأ وإنما بالجدارة والنفع، وقد يحسب للأتراك أنهم من أنشط شعوب المسلمين في مجال الترجمة، ولذلك تنتشر بينهم كتابات المكتبة الإسلامية المعروفة بمختلف مدارسها، سواء التراثية أو الحديثة، حسن البنا وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب وسعيد حوى ومالك بن نبـي وحسن الترابـي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي، كما ترجموا كثيراً من الكتابات الإيرانية.</p>
<p>والملاحظ هنا أن المدرسة التركية لم تتميز بإنتاج فكري محدد بقدر ما تميزت بالنـزعة البراغماتية العملية، فهي تأخذ من الأفكار ما يناسب أوضاعها، وهي على علم دقيق بالسقف الذي تتحرك تحته، وقد تدرك في ظروف محددة كالتي قادت إلى تدخل الجيش وعزل البروفسور نجم الدين أربكان من السلطة وحل حزبه، أن السقف الذي وضعه أعلى مما يطيق الواقع فتنـزل به درجة أو درجات وتعيد صياغتها التنظيمية، ولكن، أعجب ما في الأمر أنها لا تنشغل مثل العرب بالجدل النظري حول الشريعة وما هو ملزم وما هو غير ملزم.</p>
<p>إنها عندما تنزل بسقف مطالبها لا تنزل بسقف الإسلام حتى يتواءم مع ما يطيق الواقع، وإنما فقط تنزل درجة أو أكثر بمستوى مطالبها العملية، أي ما هو مقدور على تطبيقه من الإسلام، أي أنها لا تقدم تنازلات نظرية كما فعلت العلمانيات الغربية وكما يتوهم بعض العلمانيين العرب، فيتصورون أن للإسلاميين الأتراك إسلاماً خاصاً علمانياً يختلف عن إسلام العرب الأصولي، وهو محض توهم، فلم يسجل على الأتراك أنهم أسسوا نظرياً لإسلام علماني أسقطوا منه الشريعة كلاً أو جزءاً، وإنما هم يعملون في ظل توجيهات الإسلام الواقعية: أن المسلم مكلف أن يطبق من الإسلام ما يستطيع، وفقاً للتوجيه النبوي «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، فهم متفاعلون مع بيئتهم مدركون سقوفها ويتحركون وفقها، وذلك ما يفسر اقتصادهم في التنظير، فكان تجديدهم في الحقيقة تجديداً عملياً.</p>
<p>المدرسة التركية مدرسة عملية لم تطرح على نفسها المهمة التي نسبها اليهم الفرنسي آدلير «إصلاح الإسلام» تركوا تلك المهمة لمثله ولتلاميذه العرب، أما هم فقد شغلوا أنفسهم بإصلاح واقعهم في ضوء ما يطيق من التطبيق الإسلامي، لأنهم مع كل المسلمين يؤمنون بحقيقة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وما هو في حاجة لإصلاح.</p>
<p>والإيرانيون أنفسهم لم يمنعهم تشيعهم من الإفادة من فكر الإصلاح السني، فأهم الكتابات الإسلامية العربية مترجمة إلى الفارسية، كما أن كتابات أساسية إسلامية فارسية ترجمت إلى العربية، مثل كتابات علي شريعتي والخميني وشريعتمداري وغيرها، وكذا كتابات أبو الحسن الندوي من الهند وأبو الأعلى المودودي ومحمد إقبال من باكستان.</p>
<p>يبدو التناقض واضحاً في مقولة تقدّم الفكر الإسلامي غير العربـي على مثيله العربـي وزهد الإسلاميين العرب في الترجمة لفكر إخوانهم اعتداداً واستعلاء بمركزيتهم، فقد تأثر واحد على الأقل، من أشهر، إن لم يكن الأشهر على الإطلاق من بين المفكرين الإسلاميين العرب، سيد قطب، بفكر المودودي، وهو أشهر مفكري الإسلام في شبه القارة الهندية، الذي عده ماكسيم ردودنسون منظم الإسلام أي الذي صاغ الإسلام نُظُماً.</p>
<p>الملاحظ هنـا أن معظــــم كتابات المودودي ترجمــت وطبعت مرات في العالم العربـي، ولم تمنع مركزيـــة العرب أن يتأثروا بالمودودي لدرجة التبعية، ليجني العالم العربـي نتيجة ذلك أفكاراً تكفيرية للأنظمة والمجتمعات ودوامات متتالية من العنف، حتى أصبحت غطاء لعنف الكثير من الجماعات الإســـلامية في سبيل استعادة الدولة الإسلامية، ذلك أن أفكــــار المــــودودي على طرفي نقيض مع المنظومة الحقوقية، ووجدت في العالم العربـي تربة خصبة، وتخطت آثارها الدموية إلى الآخر الحضاري.</p>
<p>ولا يتسع المجال لمناقشة هذه الأحكام العجلى بل الظالمة للمودودي وتحويله إلى فرانكنشتاين أو دراكولا، وتكفي شهادة على خطل هذا التأويل للمودودي وتحويله كبش فداء، أن الرجل لا يزال الموجه الرئيسي إن لم يكن الوحيد للحركة الإسلامية في شبه القارة الهندية، الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا والنيبال، حيث توجد فروع للجماعة الإسلامية مع امتداداتها في المهاجر الغربية.</p>
<p>وتعد كتابات المودودي المادة التربوية الأساسية إن لم تكن الوحيدة لكل هذا الامتداد الحركي الذي لم يعرف عنه قط لجوء إلى طرائق العنف رغم الاضطهاد النسبـي الذي تعرضوا له على امتداد 65 سنة من عمر الجماعة الإسلامية، وليس ذلك مجرد سلوك عملي بل كتابات الرجل واضحة بلا غبش في رفض العنف سبيلاً للتغيير.</p>
<p>وقد دافع المودودي في «الدستور الإسلامي» عن مجتمع ديموقراطي تعددي يتمتع فيه غير المسلم بحق الاعتقاد والدعوة إليه، حتى وإن أفضى ذلك إلى كفر بعض المسلمين، فتبعة ذلك لا تعود إليه وإنما إليهم.</p>
<p>أما فكرة الجاهلية والقومية فقد ترجمت في العالم العربـي في سياق آخر غير السياق الذي طرحت فيه في الهند، طرحت هناك لخدمة أقلية مسلمة تشعر بخطر على هويتها وسط أكثرية غير مسلمة بما يجعلها حريصة على التميز، رغم أن المودودي كان ضد انفصال باكستان عن الهند، إذ كانت فكرة الانفصال فكرة الرابطة الإسلامية، وهي منظمة علمانية.</p>
<p>فلما نقلت هذه الفكرة إلى العالم العربـي لاقت سياقاً آخر، سياق الصراع المحموم الذي اندلع في مصر في بداية الخمسينات، وكان في جوهره صراعاً على السلطة، استخدمت فيه كل الأسلحة التي كانت في يد الطرفين، أحدها استخدم قوة الدولة لاستئصال خصمه، والآخر استخدم قوة العقيدة والفكرة للدفاع عن وجوده المهدد، رغم أن مؤسسة الإخوان الرسمية تصدت في غياهب السجون وفي أحلك ليالي المحنة لفتنة تكفير السلطة، وهي العمود الفقري لتسويغ الخروج المسلح.</p>
<p>إن ما حصل ويحصل من تطرف وعنف وترهيب مما لا يستحق أقل من الإدانة، بصرف النظر عن نوع معتقد الفاعل واتجاهه دينياً كان أم علمانياً، لا يمكن أن يفهم ولا ما تأسس عليه من أفكار ومذاهب خارج الظروف الموضوعية التي حصل فيها، وإلا فلماذا انتجت أفكار المودودي كل هذه الشرور المنسوبة إليها -إن صحت- ولم تنتج شيئاً من ذلك في منبتها الأصلي؟</p>
<p>تبقى كلمة لا مناص من ذكرها حول موضوعة التجديد، حيث إن أهل التجديد في العالم العربـي يعانون من محدودية التأثير وربما الانعزالية أو الإقصاء رغم جهودهم الهائلة بسبب نجاح من يعادون التجديد في تشويه الدعوة إليه وتشويه أهلها، والعرب ينقصهم الاطلاع على التجديد الحاصل في العالم الإسلامي غير العربـي.</p>
<p>يبدو أن التجديد المقصود هنا ليس هو التجديد في اصطلاح علماء الإسلام، الذي محصوه تمحيصاً بسبب وروده في حديث شهير بشر الأمة بأن الله تعهد ألا يصيبها القدم والهرم، بل تظل تتجدد وتشبّب، فكلما اعترتها الشيخوخة وتباطأت حركتها ودب فيها الفساد أرسل الله من يتولى تجديدها وضخ دماء جديدة في شرايينها.</p>
<p>علماء الإسلام مجمعون على أن التجديد المقصود ليس بحال تغييراً للدين بالحذف أو الإضافة أو التأويل السائق له إلى السير مع كل فكرة أو ممارسة تتفشيان في حياة الناس، مهما كان تصادمها مع أصول الإسلام وثوابته، بما يجعله تابعاً لا متبوعاً، محكوماً لا حاكماً. كلا، فهذا الدين كلمة الله الأخيرة، فما يرضى إلا موقع السيادة والقيومية على الحياة.</p>
<p>التجديد المطلوب إسلامياً هو نفض غبار التاريخ ونفايات الواقع عن حقائق الإسلام وإماطة ضروب الغلو والتشويه التي تكون قد ألصقت به.</p>
<p>والمجددون المسلمون في عصرنا ليسوا بحال معزولين، بل هم أبرز قوى التأثير في الساحة على كل الصعد الفكرية والسياسية والمجتمعية. فهل من شخصيات اليوم أكثر تأثيراً في الساحة من الشيخ حسن البنا ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وسيد قطب وحسن الترابي وأحمد ياسين وعبد السلام ياسين وسلمان العودة وعائض القرني ومحمد حسين فضل الله ونصر الله والخليلي &#8230; وأمثالهم، هؤلاء هم إذا دعوا الأمة لبت وإذا استنفروها نفرت، فهم بحق القادة، فبأي معنى يمكن وصفهم بالعزلة وقلة التأثير، اللهم إلا أن يكون غيرهم هو المقصود بالتجديد ممن استهدفوا ليس تجديد الإسلام وإنما تغييره، بافتراض علة الفساد كامنة فيه، كما يدعي غلاة المحافظين الجدد وعتاة الاستشراق الصهيوني، مثل برنارد لويس ودعاة الحرب الحضارية.</p>
<p>فإذا كان التجديد المطلوب للإسلام هو إصلاحه بهذا المعنى، وكان من رموزه السياسية أتاتورك وبورقيبة وشاه إيران، ومن رموز تفسيره أركون ونصر أبو زيد وعبد المجيد الشرفي وسلمان رشدي، فهؤلاء هم فعلاً معزولون عن الجماهير تلاحقهم الشبهات بعد أن ألجأهم المجددون الحقيقيون ممن ذكرنا إلى جحر الضب، إذا كان التجديد كذلك، فهو إلى خيبة محققة وفشل مضمون بشهادة الواقع وأبلغ من ذلك شهادة رب العزة الذي تعهد بحفظ دينه «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر:9).</p>
<p>* زعيم حركة النهضة التونسية، حزب الغالبية في حكم ما بعد الثورة، والنص مقطع من كتابه الجديد «الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» الذي يصدر قريباً عن الدار العربية للعلوم &#8211; ناشرون في بيروت ومركز الجزيرة للدراسات في الدوحة.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1675</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>د. عمار على حسن يكتب: انتخابات الشورى تكشف حجم الإسلاميين وطريق الرئيس المنتظر</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1672</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1672#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 16 Feb 2012 10:11:43 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مساهمون في التغيير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1672</guid>
		<description><![CDATA["رغم أن الإخوان والسلفيين، كانا بحاجة ماسة إلى كسب انتخابات الشورى، وهو ما تحقق بالفعل وبنسبة أكبر من تلك التى حازوها فى انتخابات مجلس الشعب، فإن جمهورهما الحقيقى، أو المنضوين تحت لوائهما بشكل مباشر، بان قوامهم وإمكانياتهم وحجمهم فى انتخابات الشورى، لاسيما فى المرحلة الثانية التى كانت أغلب الإعادات فى الدوائر بين هذين الطرفين، ولم تتعد نسبة الحضور ٦.٥٪، ومع الأخذ فى الاعتبار التنافس القوى بينهما، والذى بلغ مداه فى انتخابات مجلس الشعب، فإن كلا منهما عبأ وحشد أنصاره بكامل طاقته، ولذا فإن النسبة المشار إليها سلفاً تبين حجم تواجدهما الحقيقى فى الشارع، وتؤكد أن أغلب من صوتوا لهم فى انتخابات الشعب ليسوا بالضرورة أعضاء فى تنظيماتهم، أو مؤتمرين بأمرهم وتحت تصرفهم طيلة الوقت".
"تؤكد انتخابات الشورى أنه ليس هناك أى قوة سياسية تمتلك هذا الشعب، أو تدعى أنها قادرة على تعبئته وحشده وتوجيهه إلى الناحية التى تريدها، وتدفعه إلى الخيار الذى يحلو لها، والمسار الذى يحقق مصالحها، فعقب انتخابات مجلس الشعب بدأ أنصار حزبى «الحرية والعدالة» و«النور» يتحدثون بإفراط ظاهر عن أنهما يمتلكان مفاتيح الشعب المصرى وبمكنتهما أن يوجهانه حيث يريدان، وقد بنى المجلس العسكرى والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً سياستهما على هذا الأساس، فسعى الأول إلى احتواء «الإخوان» والتفاهم معهم، وسعت الثانية إلى تقبل فكرة التعاون مع «تيار إسلامى معتدل» وأبدت عدم معارضتها لـ«قيام نظام حكم إسلامى»، لأن مصالحها فى النهاية تجعلها تبحث دوماً عن التقارب مع الطرف الذى بوسعه أن يمسك بزمام الشارع، ويحافظ على مصر «مستقرة».


]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@6.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1673" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@6.jpg" alt="" width="275" height="183" /></a></p>
<table id="table32" border="0" cellpadding="3" width="100%">
<tbody>
<tr>
<td valign="top"></td>
</tr>
</tbody>
</table>
<table border="0" cellspacing="0" cellpadding="5" align="right">
<tbody>
<tr>
<td dir="rtl" align="center" valign="top"><span style="font-family: Tahoma; font-size: x-small;">على النقيض من انتخابات مجلس الشعب وكذلك الاستفتاء على التعديلات الدستورية، الذى تكدست فيه طوابير الناخبين أمام اللجان، كان الإقبال على انتخابات الشورى ضعيفاً، إذ لم يتعد ١٥.٦٪ ممن لهم حق التصويت، وكان صادماً وكاشفاً ودالاً فى وقت واحد، والقراءة الدقيقة لهذه «الظاهرة» تتطلب أن نمعن النظر فى السياق العام الذى أحاط بها، والذى ساهم بشكل أو بآخر، فى إنتاجها على النحو الذى مثل أمام أسماعنا وأبصارنا وأفهامنا جميعاً، وهذا يتطلب أن نستعرض عناصر محددة على النحو التالى:</p>
<p>١ &#8211; منذ إنشاء مجلس الشورى والإقبال على انتخاباته ضعيف دوماً، وكان «نظام مبارك» يبالغ فى النسبة التى يعلن حضورها ومشاركتها فى هذه الانتخابات، فضلاً عن تسويد ملايين البطاقات لصالح «الحزب الوطنى الديمقراطى» المنحل، وكانت هذه المبالغة ترمى إلى إضفاء شرعية على هذا الكيان المؤسسى، بأى صيغة وأى شكل.</p>
<p>وتعزى قلة الانشغال بانتخابات الشورى والإقبال عليها إلى عدة عوامل، منها:</p>
<p>أ &#8211; ضعف صلاحيات مجلس الشورى فى مجالى الرقابة والتشريع، واستقرار صورة لدى الرأى العام عنه أنه مجرد «ناد سياسى» يلتحق به بعض من تريد السلطة إرضاءهم فى مجال توزيعها للمنافع والمكاسب، وذلك استناداً إلى أن رئيس الجمهورية كان يعين ثلث أعضائه.</p>
<p>ب &#8211; اتساع دوائره الانتخابية مما يؤثر على قدرة المتنافسين السياسيين على تعبئة وحشد الجمهور كى يذهب إلى لجان الاقتراع بكثافة.</p>
<p>ج &#8211; فى كثير من الأحيان والحالات يكون مرشح مجلس الشورى أقل شهرة وخبرة من مرشح مجلس الشعب، وينظر إليه باعتباره «كادراً سياسياً من الدرجة الثانية»، كما ينظر إليه الجمهور العام باعتباره أقل قدرة على إنجاز بعض المطالب والمصالح والمنافع الشخصية المباشرة، فى ظل انتعاش ظاهرة «نائب التشهيلات» التى كانت سائدة أيام النظام البائد، ولا تزال مستمرة، للأسف، عقب الثورة وهى تجعل نائب البرلمان يؤدى فى النهاية ما يجب أن يؤديه عضو المجلس المحلى.</p>
<p>د &#8211; سوء سمعة «مجلس الشورى» لدى النخبة السياسية وقطاع لا يستهان به من الرأى العام باعتباره المؤسسة التى كانت تتبعها «لجنة شؤون الأحزاب» التى منعت على مدار عقود قيام أحزاب سياسية حقيقية يمكنها أن تشكل بديلاً للسلطة القائمة، بينما سمحت بقيام أحزاب «كرتونية» شكلت قلادة زينة فى عنق نظام فاسد مستبد، وأعطته فرصة ليوهم الرأى العام الدولى بأن فى مصر نظاماً تعددياً كما يشرف مجلس الشورى على «المجلس الأعلى للصحافة» الذى يدير الصحافة المصرية ويعين رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف «القومية» التى نافقت السلطة بإفراط على حساب الارتقاء بمهنة الصحافة وتقوية الوضع المالى للمؤسسات.</p>
<p>٢ &#8211; جاءت انتخابات الشورى هذه المرة فى ظل رفض شعبى جارف لاستمرار هذا المجلس على قيد الحياة السياسية، وكان هذا مطلباً واضحاً للثورة، تم وضعه ضمن مطالب أخرى على لوحة عملاقة علقت على إحدى البنايات التى يحتضنها ميدان التحرير، وظل الشعب ثابتاً على موقفه حتى أجريت الانتخابات وكان وراء المطالبة بإلغاء الشورى أمران أساسيان، الأول هو انخفاض إن لم يكن انعدام صلاحياته، والثانى هو الكلفة المالية التى يستنزفها من الميزانية العامة، التى فضل الناس أن تذهب لتغطية احتياج آخر حقيقى فى مجال التعليم والبحث العلمى أو الصحة أو إنشاء صندوق لتشغيل العاطلين من الشباب عبر تنشيط الصناعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وقد ظل مطلب إلغاء هذا المجلس قائماً رغم أن الإعلان الدستورى الذى صنعه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد استفتاء على تعديل تسع مواد من دستور ١٩٧١ أبقى هذا المجلس وجعل أعضاءه المنتخبين وعددهم ١٨٠ عضواً يشاركون نظراءهم بمجلس الشعب فى اختيار اللجنة التأسيسية التى ستضع دستور البلاد، وفى المقابل استمر تمسك «المجلس العسكرى» بمجلس الشورى، ولم يأخذ بعين الاعتبار كل النداءات التى وجهت إليه بإنهاء تواجد هذا الكيان المكلف الهش، والتى تجددت مع الأزمات المتلاحقة التى وقعت على مدار سنة كاملة.</p>
<p>اختلف الظرف الاجتماعى والسياسى الذى جرت فيه انتخابات «مجلس الشورى» عن ذلك الذى سبق انتخابات «مجلس الشعب»، فالأخيرة جاءت فى ركاب أحداث شارع محمد محمود الملتهبة، وتمكن إعلام السلطة وقتها من ترويج أفكار حول زعزعة الاستقرار واستهداف مؤسسات الدولة وخلق حالة من الفوضى وتردى الوضع الاقتصادى بتوقف «عجلة الإنتاج» وبان للأغلبية الكاسحة أن الانتخابات هى الوسيلة السانحة والسلمية والطبيعية لإنهاء هذا الخطر وحل تنازع الشرعيات الموجودة بين «الميدان» و«العسكرى» وخلق الاستقرار وفتح الباب أمام دوران عجلة الإنتاج.</p>
<p>ونظراً لعدم مشاركة الإخوان والسلفيين فى هذه المواجهة بدا هذان الطرفان فى نظر قطاع عريض من الناس مصدراً للاستقرار وموضعاً للثقة ومحلاً لبناء مسار للتعاون مع المجلس العسكرى فى إدارة المرحلة الانتقالية، وذلك على النقيض مما ظهر عليه التيار الثورى الذى طالب بحلول جذرية وجدية كانت فوق استيعاب الشارع فى هذه اللحظة، لاسيما بعد التشويه المنظم الذى تعرض له الثوار فى ظل خطة «شيطنة الثورة» وتبريدها وتفريغها الممنهج من مضمونها، وقد دفع أنصار كتلة «الثورة مستمرة» ثمن هذا بوضوح، كما دلت النتائج النهائية لانتخابات مجلس الشعب.</p>
<p>فى موقف معاكس تماماً جاءت انتخابات الشورى فى ظرف اجتماعى وسياسى أكثر هدوءاً، إذ لم تلتهب الساحة بفعل «مقتلة بورسعيد البشعة» إلا بعد أن دارت عجلة الانتخابات بالفعل، وبان فيها ضعف إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، وأصبح هذا الموقف السلبى مثاراً للتندر والسخرية من قبل الناس، لاسيما على شبكات التواصل الاجتماعى الإلكترونية «فيس بوك &#8211; تويتر &#8211; يوتيوب» وفى الرسوم الكاريكاتورية على صفحات الصحف وتعليقات المحللين، وكذلك فى نكات وتعليقات الجمهور العادى فى برامج الفضائيات.</p>
<p>هذه هى الأسباب الرئيسية التى أنتجت عزوفاً واضحاً وفاضحاً عن انتخابات الشورى، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى عكس هذا تماماً، فقد تصور كثيرون أن هذه الانتخابات ستكون أفضل بكثير مما كانت عليه أيام نظام المخلوع، وأنها ستتأثر، من دون شك بالزخم الكبير الذى واكب انتخابات مجلس الشعب، لاسيما فى ظل وجود عاملين أساسيين، الأول هو إبداء التيار الإسلامى الذى فاز بالأغلبية البرلمانية بانتخابات الشورى، والثانى هو مشاركة الشورى فى اختيار لجنة تأسيس الدستور، ولذا سيعطى الناس وزناً لهذا المجلس على الأقل هذه المرة قياساً إلى أهمية الدستور كإطار لبناء النظام السياسى الجديد، وتقنين أو شرعنة مطالب الثورة ومبادئها ومساعدة البلاد على إكمال «الفترة الانتقالية» مع تقصيرها بقدر الإمكان.</p>
<p>لكن الواقع خذل التوقعات، ورأينا الصورة كما جرت لجاناً خالية من الناخبين يجلس بداخلها موظفون يتثاءبون أو يثرثرون أو يروضون الوقت الذى يمر عليهم ثقيلاً بأى شىء، أو ينشغلون فى سلوكيات وتصرفات لا علاقة لها بالعملية الانتخابية من قريب أو بعيد.</p>
<p>ويجب ألا نتوقف عند مجرد الفرجة على هذا المشهد، ثم نتركه يمر علينا مرور الكرام، ففيه من الدلالات والعبر ما يستحق النظر ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يلى:</p>
<p>١ &#8211; تبين انتخابات الشورى أن الشعب المصرى هو صاحب «القدرة» وأن رأيه يجب أن يؤخذ فى الاعتبار، وأن مرحلة السلطة التى تفعل ما لا يريده الشعب بدعوى أنه جاهل أو غافل أو عاجز قد ولت إلى غير رجعة، فالشعب أبدى غير مرة رفضه لمجلس الشورى وأوصل رسائله تلك عبر وسائل عدة أعلاها ما كتب فى «ميدان التحرير» وحين تجاهلته السلطة ومضت فى طريقها الذى خطته، وفعلت ما كان يفعله نظام المخلوع دون أدنى تغييرها، أظهر الشعب رفضه وامتعاضه من هذا بمقاطعة الانتخابات أو إهمالها على النحو الذى طالعناه.</p>
<p>٢- تؤكد انتخابات الشورى أنه ليس هناك أى قوة سياسية تمتلك هذا الشعب، أو تدعى أنها قادرة على تعبئته وحشده وتوجيهه إلى الناحية التى تريدها، وتدفعه إلى الخيار الذى يحلو لها، والمسار الذى يحقق مصالحها، فعقب انتخابات مجلس الشعب بدأ أنصار حزبى «الحرية والعدالة» و«النور» يتحدثون بإفراط ظاهر عن أنهما يمتلكان مفاتيح الشعب المصرى وبمكنتهما أن يوجهانه حيث يريدان، وقد بنى المجلس العسكرى والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً سياستهما على هذا الأساس، فسعى الأول إلى احتواء «الإخوان» والتفاهم معهم، وسعت الثانية إلى تقبل فكرة التعاون مع «تيار إسلامى معتدل» وأبدت عدم معارضتها لـ«قيام نظام حكم إسلامى»، لأن مصالحها فى النهاية تجعلها تبحث دوماً عن التقارب مع الطرف الذى بوسعه أن يمسك بزمام الشارع، ويحافظ على مصر «مستقرة».</p>
<p>فرغم أن الإخوان والسلفيين، كانا بحاجة ماسة إلى كسب انتخابات الشورى، وهو ما تحقق بالفعل وبنسبة أكبر من تلك التى حازوها فى انتخابات مجلس الشعب، فإن جمهورهما الحقيقى، أو المنضوين تحت لوائهما بشكل مباشر، بان قوامهم وإمكانياتهم وحجمهم فى انتخابات الشورى، لاسيما فى المرحلة الثانية التى كانت أغلب الإعادات فى الدوائر بين هذين الطرفين، ولم تتعد نسبة الحضور ٦.٥٪، ومع الأخذ فى الاعتبار التنافس القوى بينهما، والذى بلغ مداه فى انتخابات مجلس الشعب، فإن كلا منهما عبأ وحشد أنصاره بكامل طاقته، ولذا فإن النسبة المشار إليها سلفاً تبين حجم تواجدهما الحقيقى فى الشارع، وتؤكد أن أغلب من صوتوا لهم فى انتخابات الشعب ليسوا بالضرورة أعضاء فى تنظيماتهم، أو مؤتمرين بأمرهم وتحت تصرفهم طيلة الوقت.</p>
<p>٣- بنى المجلس العسكرى تصوره عن الرئيس المقبل من خلال نتائج انتخابات مجلس الشعب، فبات متيقناً من أنه لن يسوق الرئيس الذى يريده أو يضمن ولاءه أو يأتمنه على «القادة العسكريين»، بعيداً عن القوى السياسية ذات الإسناد الإسلامى، التى بوسعها أن تعبئ الشارع خلف خيار العسكر، أو تحشده بعيداً عن خيارهم إن أرادت، فالآن بان أن كل الخيارات مفتوحة مع انتخابات كاملة الحرية والنزاهة، وأن الشعب هو من سيقرر «الرئيس المنتظر»، وإن استجاب لنداء «الإسلاميين» ومصالحهم فى هذا الصدد فإن تلك الاستجابة هى بنت تفكيره ووعيه، وليست بالضرورة استلاباً كاملاً أو انجذاباً أعمى بلا فهم نحو من يرشحه الإخوان والعسكر.</p>
<p>وما سبق قد لا يعنى أن المجلس العسكرى سيغير تكتيكه الخاص بانتخابات الرئاسة، لكنه سيعزز من أوراقه التفاوضية حول «منصب الرئيس» مع الإخوان، الذين اهتزت أمام العسكر الصورة النمطية التى صدروها عقب انتخابات الشعب بأن أغلبية الشارع فى قبضة يمينهم، وهذا قد يترجم فى توسيع «هامش المناورة» السياسية أمام أعين العسكر وهم يداورون الإخوان ويحاورونهم.</p>
<p>٤- قد تؤدى نسبة الحضور المتدنية فى انتخابات الشورى إلى اهتمام واضعى «الدستور الجديد» بهذا الكيان فيوسعون صلاحياته، حتى يصبح استمرار وجوده مقنعاً للرأى العام، وقد يعطى هذا من يتبنى دعوة إلغاء هذا المجلس حجة قوية فى مواجهة أصحاب الاتجاه المضاد.</p>
<p> المصري اليوم<br />
١٦/ ٢/ ٢٠١٢</p>
<p></span></td>
</tr>
</tbody>
</table>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1672</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الغنوشي: الديموقراطية وحقوق الانسان في الاسلام&#8230; المنظور المقاصدي الاسلامي وعلاقته بـ«الإعلانات» الحديثة (2 من 4)</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1669</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1669#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 16 Feb 2012 09:18:13 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مساهمون في التغيير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1669</guid>
		<description><![CDATA["لن يكره غير المسلمين في الدولة الإسلامية على عقيدة أو عمل يخالف ضميرهم. وسيكون لهم أن يأتوا كل ما يوافق ضميرهم من أعمال ما دام لا يصطدم بقانون الدولة. (أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، بيروت، دمشق، دار الفكر، 1964، ص 316)".
"يقوم المنظور المقاصدي على اعتبار أن غاية الشريعة هي تحقيق المصالح الكبرى للبشرية التي صنفها الشاطبي إلى ضروريات لا غنى للناس عنها وحاجيات تغدو الحياة دونها في حرج ومصالح تحسينية تضفي على الحياة بهاء. وقد حدد في الصنف الأول مراتب متدرجة من المصالح الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها، وإلا حل به الشقاء والبلاء، تبدأ بحفظ الدين باعتباره الركن الأعظم في البناء، ويليه حفظ النفس ثم العقل ثم حفظ النسب فحفظ المال، وألحق ابن عاشور مقصد العدل ومقصد الحرية.

"وكشف الشاطبي أن كل شرائع الإسلام تدور حول إيجاد هذه المصالح وتحصيلها ودرء ما يناقضها ويفسدها، وفي هذا المنظور يمكن أن تندرج المنظومة المعاصرة لحقوق الإنسان باعتبارها مناهج لتحقيق مصالح الإنسان ودرء المفاسد عنه، وما يقتضيه ذلك من إقامة نظام للجماعة على أساس العدل، وكذا تأسيس علاقات دولية تكفل السلام والعدل والتعاون بين الأمم بديلاً من التحارب واستغلال الأقوياء حاجات الضعفاء".



وقد يعترض على هذا الحق بمسألة الردة، مع أن القرآن وإن توعد المرتدين بأشد العقاب يوم القيامة فإنه لم ينص على عقوبة في الدنيا، وإنما جاء النص على ذلك في الحديث، بما أمكن لمفكرين إسلاميين حمله على أنه من تصرفات النبي السلطانية، فيترك لهيئات الدولة في كل عصر تقدير مدى خطر الظاهرة، ومعالجتها بحسب ذلك، تمييزاً بين ردة فردية لا خطر منها وردة جماعية تهدد الكيان، كالتي حدثت في أول الإسلام، فكانت تمرداً سياسياً مسلحاً مهدداً للنظام العام أي جريمة سياسية، ولم تكن مجرد فكرة فتعالج بمثلها، وهو ما يزيل التصادم ومبدأ حرية الاعتقاد المكفولة شرعاً".

]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@5.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1670" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@5.jpg" alt="" width="252" height="200" /></a>راشد الغنوشي</p>
<p>﻿هل هناك مفهوم لحقوق الإنسان في الإسلام؟ ما سنده الفلسفي إن وجد؟ ما العلاقة بينه وبين الإعلانات الحديثة؟</p>
<p>تعد حقوق الإنسان في عصرنا كما تبلورت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في كانون الأول (ديسمبر) 1948 عن الأمم المتحدة وما تلاه من العهدين الدوليين الصادرين سنة 1966 للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية<!--break-->، وما لحقهما من اتفاقات دولية ضد كل ضروب التمييز، المقياس الرئيس الذي تقاس إليه الدول والجماعات والمذاهب تقدماً أو تأخراً، تحضراً أو تخلفاً، بحسب احترامه أو انتهاكه.</p>
<p>وعمدت المنظمة الأممية نفسها إلى إقامة مؤسسة لمراقبة مدى التزام الدول الأعضاء باحترام تعهداتها، كما نهضت شبكات دولية ومحلية من المنظمات المتخصصة بإصدار التقارير حول مسالك الدول والجماعات إزاء هذه الإعلانات والمعاهدات. وتأسست محاكم إقليمية مثل «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» للفصل في ما تتهم به دول الاتحاد من تجاوز لمبادئ حقوق الإنسان، ومحاكم دولية تطول ولايتها حتى رؤساء الدول، وهو تطور محمود في ذاته.</p>
<p>وهذا التطور يعبر عن نوع من يقظة ضمير بشري إزاء ما تعرضت وتتعرض له جماعات بشرية ضعيفة من عدوان على إنسانيتها يبلغ حد الإبادة، وإن كان الأمر لا يخلو من أقدار من النفاق، إذ تبارت حتى أشد الأنظمة والجماعات دكتاتورية في رفع هذه الراية والتحصن بهذا الحصن الإنساني، للاستخفاء بجرائمها ضد أساسيات حقوق الإنسان. ولا يخلو كذلك من ازدواجية معايير تسمح بملاحقة الضعفاء (السودان) وغض الطرف عن الأقوياء (الأميركيين والإسرائيليين). ومع ذلك يبقى هذا التطور من منظور الإسلام محموداً ولو لمجرد الاعتراف بهوية إنسانية واحدة يستحق حاملها، بمجرد هذا الوصف، حقوقاً متساوية بصرف النظر عن الجنس واللون والدين والطبقة. كيف لا وقد جاء الإسلام معلناً تكريماً إلهياً لجنس الإنسان «ولقد كرمنا بني آدم» (الإسراء:70).</p>
<p>حق الفرد وحق الجماعة</p>
<p>الإنسان في الإسلام مستخلف عن الله، وضمن عهد الاستخلاف -الشريعة الإسلامية- تتنزل جملة حقوقه وواجباته. ويتم التوفيق في الإسلام بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة، فقد تضمّن كل حق للفرد حقاً لله، أي للجماعة، مع أولوية حق الجماعة كلما حدث التصادم. ولأن شرائع الإسلام إنما جاءت لرعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهي مصالح متدرجة من الضروري إلى التحسيني إلى الكمالي، كان من الطبيعي أن تعد تلك المصالح هي الإطار العام الذي تنتظم داخله مسالك الأفراد وتمارس فيه الحريات الخاصة والعامة.</p>
<p>لذلك كان مبحث المقاصد الشرعية الذي اختطه بتوفيق العلامة الأندلسي أبو إسحق الشاطبي في رائعته «الموافقات»، قد حظي بالقبول لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين أساساً وإطاراً لنظرية الحقوق والحريات العامة والخاصة في التصور الإسلامي.</p>
<p>الحرية في الإسلام وفي تجربته الحضارية &#8211; على ما شابها &#8211; قيمة أساسية أصيلة باعتبارها أساس صحة الشهادة، أما العقائد الإسلامية وأساس الحقوق والواجبات، فقبل أن يؤكد المؤمن إقراره بوجود الله وصدق الرسول يؤكد ذاته كائناً عاقلاً حراً. إن «الأنا» في لحظة وعي وحرية تقرر «أشهد (أنا) أن لا إله إلا الله وأشهد (أنا) أن محمداً رسول الله».</p>
<p>ومن حقوق الإنسان المضمونة في الإسلام حرية الاعتقاد، وقد تواترت في تأكيدها آيات القرآن وترجمتها «صحيفة» المدينة، إذ اعترفت بحقوق وحريات كل المكونات الدينية والعرقية فيها، فبرؤ تاريخ الإسلام من حروب التطهير الديني والعرقي، بسبب الإعلان القطعي لمبدأ «لا إكراه في الدين» (البقرة:256). المبدأ الأعظم في الإسلام والأساس الأصلب للحقوق والحريات، بما يجعله حاكماً على كل ما يخالفه. فكل ما يخالفه من نصوص &#8211; بحسب تفسير «التحرير والتنوير» &#8211; منسوخ أو مؤول. وتتفرع عن حرية الاعتقاد جملة من الحقوق، منها المساواة قاعدة التعامل في المجتمع الإسلامي، فلا يتفاضل الناس في المجتمع الإسلامي بلون ولا بجنس ولا باعتقاد، هم سواسية أمام القانون.</p>
<p>قال الإمام علي &#8211; رضي الله عنه &#8211; عن حقوق المواطنين غير المسلمين في دولته «فإنما أعطوا الذمة (أي الجنسية) ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، ولا ترد الاستثناءات من قاعدة المساواة بين المواطنين إلا في حدود ضيقة هي من مقتضيات النظام العام وهوية المجتمع وتوزيع الأعمال في الأسرة والمجتمع، كالاختلاف في بعض أنصبة التوارث.</p>
<p>والجدير بالملاحظة أنه رغم أنه ليس في مصطلح «أهل الذمة» &#8211; أي غير المسلمين المتمتعين بحماية الدولة &#8211; ما يعاب، فإنه ليس من ألفاظ الشريعة لازمة الاستعمال في الفكر السياسي الإسلامي مهما تحقق الاندماج بين المواطنين وقامت الدولة على أساس المواطنة، أي المساواة حقوقاً وواجبات. وقد كفل الإسلام لأهل كل عقيدة إقامة معابدهم وشعائرهم بها، إعمالاً لأصل الحرية الدينية وعدم الإكراه.</p>
<p>وكانت وصايا الخلفاء للقادة والعسكريين صارمة في أن يتركوا العبّاد وما نذروا أنفسهم له، فتعايشت كل الديانات تحت حكم الإسلام القوي، حتى إذا تحولت موازين القوة لغير مصلحة المسلمين كان مآلهم ومساجدهم &#8211; غالباً &#8211; التنكيل وحتى الإبادة، قديماً وحديثاً، وما حل بمسلمي الأندلس والبوسنة وكوسوفا والشيشان من حرب تطهير عرقي وديني شاهد.</p>
<p>وكذا فــــــشـــوّ الــــعـداء للإســلام (الإسلاموفوبيا) بسبب رفض الاعتراف بالإسلام وبحق الحرية والتعدد الديني، بينما اعترف الإسلام ابتداء بحرية المعتقد «لكم دينكم ولي دين» (الكافرون:6)، فكانت دعوته متكررة إلى الجدل بالتي هي أحسن وإلى اللقاء على المشترك من توحيد لله ومحاربة للظلم «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباب من دون الله» (آل عمران:62).</p>
<p>لذلك لا عجب أن توافرت دار الإسلام على أقدم بيع اليهود وكنائس النصارى وحتى المعابد الوثنية، تمتعت وأهلها بحماية شرائع الإسلام السمحة، بينما لم يكد يمر على أقدم مسجد في الحواضر الأوروبية قرن. كما حفلت دار الإسلام بتعايش مختلف المذاهب الإسلامية، فلم تعرف حروب الإبادة والتطهير العرقي -عدا حوادث استثنائية- بل كانت ملجأ للمضطهدين من كل ملة.</p>
<p>ومن حقوق الإنسان التي كفلها الإسلام حرية الفكر والدعوة والإعلام والمناقشات الدينية باعتبارها فروعاً لقاعدة «لا إكراه في الدين» (البقرة:256). يقول المودودي وهو المنعوت عادة بالتشدد «سيكون لغير المسلمين في الدولة الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع ما هو للمسلمين سواء بسواء، وسيكون عليهم من القيود والالتزامات في هذا الباب ما على المسلمين أنفسهم، فسيجوز لهم أن ينتقدوا الحكومة وعمالها، حتى رئيس الحكومة نفسه ضمن حدود القانون، وسيكون لهم الحق في انتقاد الدين الإسلامي مثلما للمسلمين من الحق في نقد مذاهبهم ونحلهم. ويجب على المسلمين أن يلتزموا حدود القانون في نقدهم هذا كوجوب ذلك على غير المسلمين، وسيكون لهم الحرية كاملة في مدح نحلهم وإن ارتد &#8211; أي المسلم &#8211; فسيقع وبال ارتداده على نفسه، ولا يؤخذ به غير المسلم.</p>
<p>حرية الضمير</p>
<p>ولن يكره غير المسلمين في الدولة الإسلامية على عقيدة أو عمل يخالف ضميرهم. وسيكون لهم أن يأتوا كل ما يوافق ضميرهم من أعمال ما دام لا يصطدم بقانون الدولة. (أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، بيروت، دمشق، دار الفكر، 1964، ص 316).</p>
<p>وقد يعترض على هذا الحق بمسألة الردة، مع أن القرآن وإن توعد المرتدين بأشد العقاب يوم القيامة فإنه لم ينص على عقوبة في الدنيا، وإنما جاء النص على ذلك في الحديث، بما أمكن لمفكرين إسلاميين حمله على أنه من تصرفات النبي السلطانية، فيترك لهيئات الدولة في كل عصر تقدير مدى خطر الظاهرة، ومعالجتها بحسب ذلك، تمييزاً بين ردة فردية لا خطر منها وردة جماعية تهدد الكيان، كالتي حدثت في أول الإسلام، فكانت تمرداً سياسياً مسلحاً مهدداً للنظام العام أي جريمة سياسية، ولم تكن مجرد فكرة فتعالج بمثلها، وهو ما يزيل التصادم ومبدأ حرية الاعتقاد المكفولة شرعاً.</p>
<p>كما يؤكد الإسلام حق الفرد في التملك والتمتع بثمار عمله، واعتبار الملكية وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد تحت رقابة ضميره الديني وسلطة المجتمع ضمن مصلحة الجماعة وفي حدود الشريعة في إطار نظرية الاستخلاف، دون أن يغيب عنا أن القصد من الملك هو حفظ التوازن الاجتماعي بما يعنيه من تحريم وجود طبقات مبنية على التفاوت، وبالخصوص إذا استند إلى أساس غير مشروع كالغش والاحتكار والسرقة واستغلال حاجة الفقير (الربا) والنفوذ السياسي، الملكية هنا مضمونة ولكنها تختلف جذرياً عن التصور الرأسمالي، ملكية أساسها العمل المشروع، وملتزمة بالمصلحة العامة. أما الحقوق الاجتماعية فالعمل واجب ديني، وفي مال الأغنياء حق معلوم للفقراء، يمكن المحتاج انتزاعه إن لم تفعل الدولة، ولا حرمة لمال ما دام في المجتمع محتاج.</p>
<p>حقوق العقل والجسد</p>
<p>ومن الحقوق الاجتماعية حق التعليم، وهو إلزامي (فريضة)، والحق الصحي، والحق في السكن والكساء وإقامة أسرة وحرية التنقل وحرمة المسكن وحق الإضراب عن العمل لتغيير عقود ظالمة فرضها الأقوياء على الضعفاء، فلا يجب الوفاء بها. «وليملل الذي عليه الحق» (البقرة:282)، أي شروط العقد.</p>
<p>ومن الحقوق أيضاً المشاركة في الشؤون العامة، فانطلاقاً من مبدأ المساواة والعدل الإلهي وواجب كل مسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جاء الإسلام ثورة على الفراعنة، داعياً إلى الاشتراك في الأمر العام «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى:38). فلا جرم أن يكون الإسلام سعيداً بما توفق إليه البشر من تطوير لأدوات الشورى المعبر عنها بالنظام الديموقراطي في عصرنا، بما يسمح بتجسيد سلطة الأمة وقوامتها على حكامها تولية ومراقبة وعزلاً، على أساس المساواة بين المواطنين والتعددية السياسية وحرية التعبير وتداول السلطة عبر انتخابات دورية تعددية نزيهة واستقلال القضاء وفصل السلطات.</p>
<p>فليس في تعاليم الإسلام ولا في مقاصده ما يتنافى مع مقومات الديموقراطية، بل هي أفضل ما تمخض عنه العقل البشري حتى الآن من ترتيبات حسنة لتقليم أظافر الفراعنة، وكل خير فالإسلام أولى به. ومعلوم عند علماء الإسلام أن السياسة إن كانت أصولها ثابتة في الإسلام فإن أدواتها التطبيقية من أمور  الدنيا التي تتطور وتتحسن بتطور العقول والتجارب، قال رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، بمعنى تقنيات ووسائل تنظيم أمور معاشكم من زراعة وصناعة ومواصلات وتدبير شؤون الحكم بما هي مصالح تحقق مقاصد الشريعة ولا تتصادم مع ثوابتها.</p>
<p>من حق المسلم بل من واجبه أن يغير المنكر ويثور على الظلم وأن يحرض على ذلك متوسلاً بكل سبيل احتجاجي لتغيير المنكر كالمسيرات والاعتصامات والحملات الإعلامية وتأسيس التجمعات والجبهات، فلا يقر له قرار حتى يطيح الظلم ويقيم العدل، وإلا وقع في الإثم.</p>
<p>حق اللجوء السياسي</p>
<p>وأخيراً حق الأمان أو اللجوء السياسي، وهو حق تكفله الدولة الإسلامية لكل إنسان بقطع النظر عن جنسه وملته، من استنجد بالمسلمين وطلب الأمان عندهم فالواجب تمكينه من هذا الحق وحمايته حتى يقرر العودة إلى وطنه أو إلى مكان آخر، وذلك مقتضى الآية «وإن أحد من المؤمنين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه». (التوبة:6)</p>
<p>يقول المفسر ابن كثير «إن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أماناً أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه».</p>
<p>والاتجاه العام لإعلانات حقوق الإنسان والعهود الدولية يتساوق مع شرائع الإسلام ومقاصده في العدل والحرية والمساواة في التكريم الإلهي للإنسان، بما يجعلنا إزاء تطور محمود لو أنه تعزز بواقع مطابق له، إلا أن حقوق الإنسان في الإسلام تمتلك ميزات تفوّق.</p>
<p>تجربة التاريخ أثبتت أن الإنسان لا يعيش من دون أن يتخذ لنفسه إلهاً، «ففي النفس البشرية جوعة لا يسدها غير الإقبال على الله»، كما ذكر ابن القيم. الخلل الأساسي في إعلانات حقوق الإنسان استنادها &#8211; غالباً &#8211; إلى فلسفة دهرية، تزعم إمكان استقلال الإنسان عن خالقه في تنظيم حياته وتحصيله للسعادة، وكانت النتيجة رغم التقدم الجزئي تسلط الأقوياء على الضعفاء وتدمير البيئة وتفكيك أنسجة التواصل والتراحم بين البشر. بينما استناد حقوق الإنسان إلى خالق الإنسان، يعطيها من جهة قدسية تحد من العبث بها، ويجعلها أمانة في عنق كل المؤمنين، على اعتبار حمايتها واجباً دينياً يثاب على فعله ويعاقب على تركه. كما يعطيها أبعادها الإنسانية بمنأى عن كل الفوارق الجنسية والإقليمية والاجتماعية، إذ إن الله رب العالمين وليس لقوم أو أمة وحسب، فالخلق كلهم عيال الله.</p>
<p>واستناد الحقوق إلى خالق الإنسان يعطيها شمولاً وإيجابية تخرج بهما عن الشكلانية والجزئية، لأن الله خالق الإنسان، وهو أعلم بالحاجات الحقيقية لمخلوقاته، ويعزز سلطة القانون الحامي لتلك الحقوق بسلطة الضمير الديني المتمثل في شعور المؤمن برقابة الله الدائمة. أما لماذا دول الإسلام المعاصرة معدودة في مؤخرة دول العالم بمقاييس حقوق الإنسان، فليس ذلك عائداً بحال لا إلى الإسلام، فمبادئه وتجربته الحضارية شاهدان على سموه وانفتاح مجتمعاته، ولا إلى المسلمين، لأنهم محكومون بحكومات لا تمثلهم بل تمثّل عليهم، بل حتى تمثّل بهم، مستظهرة عليهم بميزان قوة دولي متغلب، إلى حين «وتلك الأيام نداولها بين الناس» (آل عمران:140).</p>
<p>جدل عالمي</p>
<p>ويمثل موضوع حقوق الإنسان في زمننا هذا، وبالخصوص بعد انتهاء الحرب الباردة، أهم محاور الجدل والصراع بين الشعوب المطالبة باحترام حقوقها وبين الحكومات المتهمة بانتهاكها، كما أن هذه الحقوق غدت الميزان الذي توزن به سياسات الدول حسناً أو قبحاً، بحسب مدى احترام الحقوق، وأكثر من ذلك تحول موضوع حقوق الإنسان أيديولوجية لبعض الدول وسيفاً مسلطاً تستخدمه في سياسات الهيمنة ضد من تشاء وقتما تريد، تسويغاً لإصدار إدانة ضد المستهدف والمضي حتى إلى إخضاعه لشتى العقوبات التي قد تصل إلى حد فرض الحصار الاقتصادي عليه وحتى العسكري الممهد غالباً لغزوه ووضعه تحت السيطرة.</p>
<p>وتأسست على امتداد العالم شبكات واسعة تحت مسمى الدفاع عن حقوق الإنسان، غدت تمثل أنشط مؤسسات المجتمع المدني، وكثيراً ما تولت تمويلها مؤسسات غربية خاصة أو رسمية لمراقبة سلوك الدول ومدى احترامها لحقوق الإنسان. وبعض هذه المؤسسات تحتضنها منظمة الأمم المتحدة، ولها نظام للقاءات الدورية ومندوبون يجوبون أقطار الأرض يرفعون التقارير حول سلوك هذه الدولة أو تلك من جهة مدى احترامها لحقوق الإنسان كما نصت عليه المواثيق الدولية وبالخصوص ذلك المعروف بـ «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي أقرته الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1948.</p>
<p>وتتالى منذئذ صدور سيل من النصوص والمواثيق والدراسات تشرح وتفصل وتستكمل الإعلان الأممي الأول الذي مهدت له «منابع حقوق الإنسان ومراضعها جمعيات النظراء الفضلاء»، فهو تراكم خلقي ساهم في توريثه للإنسان أمراء إنكلترا حين فرضوا الماجنا كارتا على الملك منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وساهم فيه سييس ورفاقه في الثورة الفرنسية، وساهم قبل ذلك إعلان جفرسون والثائرون الأميركان على الاستعمار البريطاني، وازدهت البرجوازية بحقوقها الفردية الأنانية.</p>
<p>إن التصورات الغربية في مجال الحريات وحقوق الإنسان تمتد جذورها إلى الفلسفة الطبيعية بافتراض طبيعة للإنسان تنبثق منها حقوق للإنسان، وقد رأينا مدى ما تردت فيه تلك التصورات من تلاعب وازدواجية معايير ونسبية وخضوع لمنطق موازين القوة وخدمة لمصالح أقلية قد لا تتجاوز 5 في المئة من البشر تضع يدها على معظم الموارد وتدفع بالكثرة الكاثرة إلى لجج الفقر والمجاعة والأوبئة وتسخّر ثمار البحث العلمي لمصالحها الخاصة مطلقة العنان لأنانيتها على حساب الضعفاء، بما غدا يمثل تهديداً حقيقياً للسلام الدولي وللبيئة وللمصير البشري جملة بما يكاد يفقد مواثيق حقوق الإنسان كل تأثير حقيقي على المسالك الفردية والسياسات المحلية والدولية. والسبب الحقيقي هو خواء هذه المواثيق من مضمون عقدي يعطي معنى لحياة الإنسان ويقدم أساساً متيناً لحقوق وموازين، يكون العبث بها وإخضاعها للنسبية ومواقف الانتهاز عسيراً.</p>
<p>بينما التصورات الإسلامية للحقوق والحريات وسائر القيم والموازين المعيارية تتأسس على حقيقة بدهية ينطق باسمها كل شيء في هذا الكون، إن لهذا الكون العجيب خالقاً ومالكاً متصرفاً هو أعلم بمخلوقاته فهو المشرع الأعلى والآمر المطلق، الناس كلهم سواسية من حيث كونهم عباده، قد استخلفهم في ملكه بما استحفظهم من أمانات العقل والإرادة والحرية والمسؤولية، وبما من عليهم من بعثات رسولية هدتهم إلى ما ارتضاه لهم ربهم من أصول وموازين وتصورات تكفل لهم السعادة في العاجل والآجل إن هم فقهوها على وجهها الحقيقي واتبعوا هديها، وإلا وقعوا في لجج الشقاء الأبدي.</p>
<p>المنظور المقاصدي</p>
<p>ولقد ارتضى كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين الباحثين في موضــــوع حقوق الإنسان المنظور المقاصدي الذي أسسه الفقيه الأندلسي الكبــــير أبو إسحاق الشاطبي في موسوعته الشهـــيرة «الموافقات» وطوره وجوّد صياغته خليفته التونسي الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه» مقاصد الشريعة» ارتضوه إطاراً عاماً لحقوق الإنسان، على اعتبار أن غاية الشريعة العليا هي تعريف الناس بربهم وعبادته وفق ما جاءت به رسله، ولخّصته رسالة خاتم الأنبياء عليهم السلام.</p>
<p>يقوم المنظور المقاصدي على اعتبار أن غاية الشريعة هي تحقيق المصالح الكبرى للبشرية التي صنفها الشاطبي إلى ضروريات لا غنى للناس عنها وحاجيات تغدو الحياة دونها في حرج ومصالح تحسينية تضفي على الحياة بهاء. وقد حدد في الصنف الأول مراتب متدرجة من المصالح الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها، وإلا حل به الشقاء والبلاء، تبدأ بحفظ الدين باعتباره الركن الأعظم في البناء، ويليه حفظ النفس ثم العقل ثم حفظ النسب فحفظ المال، وألحق ابن عاشور مقصد العدل ومقصد الحرية.</p>
<p>وكشف الشاطبي أن كل شرائع الإسلام تدور حول إيجاد هذه المصالح وتحصيلها ودرء ما يناقضها ويفسدها، وفي هذا المنظور يمكن أن تندرج المنظومة المعاصرة لحقوق الإنسان باعتبارها مناهج لتحقيق مصالح الإنسان ودرء المفاسد عنه، وما يقتضيه ذلك من إقامة نظام للجماعة على أساس العدل، وكذا تأسيس علاقات دولية تكفل السلام والعدل والتعاون بين الأمم بديلاً من التحارب واستغلال الأقوياء حاجات الضعفاء.</p>
<p>إن تيارات التجديد في الفكر الإسلامي الحديث إذ لا تني تكشف عن ثغرات المشروع الغربي ونزعاته الهيمنية وضروب ازدواجية ممارساته الحقوقية لم تتردد في الإقدام على تقنين الشريعة وتقديم صياغات حديثة لحقوق الإنسان وفق المنظور الإسلامي وعلى أسسه وبيان مواطن اللقاء والاختلاف مع المنظور الغربي وبالخصوص في مجال الأصول الفلسفية المتباينة جداً بين المنظورين.</p>
<p>فعلى حين يوكد مفكرو الإسلام أن الإيمان بالله هو معين وأساس الحقوق والواجبات، ذلك أن حقوق الإنسان وحرياته وواجباته هي فروع لتصوره الكوني ولمنزلته في الكون والغاية من وجوده يوكد التصور الغربي في المحصلة استنادها إلى الطبيعة بما يطبع إعلانات حقوق الإنسان في المحصلة &#8211; وإن دون تصريح &#8211; بطابع علماني يجعل الأولوية للإنسان وأنه مركز الكون، فيما التصور الإسلامي يوكد ارتباط كل قيمة بالمصدر الذي تستمد منه كل الموجودات معناها ألا وهو الله تبارك وتعالى.</p>
<p>وتغدو الحقوق هنا واجبات مقدسة لا يحق للعبد المستخلف أن يفرط فيها، لأنها ليست ملكاً له بل مطلوب منه التصرف في كل ما يملك وفق إرادة الواهب، فهو المالك الأصلي والإنسان مستخلف، فما بيد الإنسان من ثروة وصحة وما تحت يده من إمكانات كلها هبة من الله مطلوب منه مراعاة شروط المالك الأصلي في التصرف فيها الذي سيقتضيه حساباً على ذلك في الدنيا والآخرة جزاء أو عقاباً.</p>
<p>وإذا كانت التجارب البشرية قد أثبتت أن الإنسان لا يعيش من غير أن يتخذ لنفسه إلهاً فإن استناد حقوق الإنسان إلى خالق الكون رب العالمين، يهبها قدسية وثباتاً يدرأ عنها النسبية والعبث والمعايير المزدوجة ويجعلها أمانة في عنق كل مؤمن وليست مرتهنة لحاكم محروسة فقط بشرطته عندما تحضر، ويعطيها أبعادها الإنسانية بمنأى عن الاعتبارات القومية التي تتأطر فيها منظومات حقوق الإنسان كما هي في العالم اليوم، كما يعطيها شمولاً وإيجابية تخرج  بهما عن الشكلانية والجزئية.</p>
<p>ثم إن ارتباط حقوق الإنسان بالشريعة لا يعرضها لخطر حكم ثيوقراطي يتحكم به رجال الدين، فليس في الإسلام سلطة دينية تحل وتحرم وتنطق باسم السماء، وليس بعد ختم النبوة من يملك أن يصدق في ادعائه النطق باسم السماء، وإنما الأمر متروك لحظوظ الناس في الفهم والاجتهاد لنصوص الشريعة ومقاصدها وتنزيلها على واقع جديد متميز لاستنباط حكم يلائمه بحسب آليات الاجتهاد المتعارفة. وقد كانت خطبة رسول الإسلام التوديعية إعلاناً عاماً لحقوق الإنسان سبق كل الإعلانات بمئات السنين.﻿</p>
<p>﻿* زعيم حركة النهضة التونسية، حزب الغالبية في حكم ما بعد الثورة، والنص مقطع من كتابه الجديد «الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» الذي يصدر قريباً عن الدار العربية للعلوم &#8211; ناشرون في بيروت ومركز الجزيرة للدراسات في الدوحة﻿</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1669</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أيها السادة.. &#8220;قواعد اللعبة تغيرت&#8221;</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1666</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1666#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 15 Feb 2012 07:17:12 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1666</guid>
		<description><![CDATA[الرسالة الأكثر أهمية في اعتصام أمس تتمثّل في حجم الحضور الكبير من المعلّمين؛ إذ تقدّر أوساط متعددة أنّه من أكبر الاعتصامات خلال الأعوام الأخيرة، ما يعني أنّنا أمام معطى جديد تتجاوز فيه اللعبة السياسية حدود العلاقة بين الدولة والمعارضة التقليدية. النتيجة نفسها تتمثّل في فشل الأدوات التقليدية التي تملكها الدولة، إذ لم تجد نفعاً في الحدّ من أهمية إضراب المعلمين ومداه. باختصار، "قواعد اللعبة" تغيّرت. وتلك نتيجة طبيعية جداً لتغيّر نمط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديداً القاعدة الاجتماعية للنظام، التي أصبحت تعاني اقتصادياً ولا تجد آفاقاً واسعة لحل أزماتها، وتفتقر إلى فعالية القطاع الخاص ويغيب الاستثمار، ولا تتمتع بخدمات ولا تنمية، ما يجعل من العلاقة معها مرتبكة تماماً!
اليوم، ليس المرض سياسياً يمكن علاجه بالإصلاح السياسي فحسب، مع أهمية ذلك بوصفه شرطاً للنجاح. فنحن أمام معضلة حقيقية في الجانب الاقتصادي]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@4.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1667" title="@" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/@4.jpg" alt="" width="275" height="183" /></a>فضّ المعلمون أمس اعتصامهم التاريخي بصورة سلمية، مع الاستمرار في الإضراب المفتوح، مع الأمل أن يكون مجلس الوزراء قد وصل في اجتماعه أمس إلى موقف يعيد الأمور إلى سياق التوافقات لا التصعيد، الذي لن يستفيد منه أحد.<br />
حل الأزمة يتطلب، ابتداءً، العودة إلى الاتفاق الذي وصل إليه المعلمون مع النواب. لسنا أمام هيبة الدولة ولا مكاسرة سياسية، فهي قضية عادلة تتطلب حلولاً سياسية مرنة، يُراعى فيها الجمع بين الجوانب السياسية والاقتصادية والمهنية.<br />
الرسالة الأكثر أهمية في اعتصام أمس تتمثّل في حجم الحضور الكبير من المعلّمين؛ إذ تقدّر أوساط متعددة أنّه من أكبر الاعتصامات خلال الأعوام الأخيرة، ما يعني أنّنا أمام معطى جديد تتجاوز فيه اللعبة السياسية حدود العلاقة بين الدولة والمعارضة التقليدية. النتيجة نفسها تتمثّل في فشل الأدوات التقليدية التي تملكها الدولة، إذ لم تجد نفعاً في الحدّ من أهمية إضراب المعلمين ومداه. باختصار، &#8220;قواعد اللعبة&#8221; تغيّرت. وتلك نتيجة طبيعية جداً لتغيّر نمط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديداً القاعدة الاجتماعية للنظام، التي أصبحت تعاني اقتصادياً ولا تجد آفاقاً واسعة لحل أزماتها، وتفتقر إلى فعالية القطاع الخاص ويغيب الاستثمار، ولا تتمتع بخدمات ولا تنمية، ما يجعل من العلاقة معها مرتبكة تماماً!<br />
اليوم، ليس المرض سياسياً يمكن علاجه بالإصلاح السياسي فحسب، مع أهمية ذلك بوصفه شرطاً للنجاح. فنحن أمام معضلة حقيقية في الجانب الاقتصادي، جانب منها مرتبط بالأزمة المالية العالمية وحالة الركود، وجانب آخر بالخلل الكبير في البرنامج الاقتصادي المطبّق منذ عشرة أعوام، والجانب الثالث في الفساد وغياب الحكم الرشيد والشفافية، والتخبط في التعامل مع أولويات التنمية و&#8221;الفرص الاقتصادية&#8221; التي جاءت خلال الأعوام الماضية. يمكن إدراك خطورة الأزمة الاقتصادية في التباين بين مطالب الحراك وأولوياته. ففي حين نجد أنّ أولويات عمان والزرقاء وإربد (أو المواطنين من أصول فلسطينية) هي المواطنة والإصلاح السياسي، فإنّ أولويات المحافظات هي العدالة الاجتماعية وهوية الدولة، مع الإشارة إلى توصيف مهم جدلي لعدنان أبو عودة بقوله &#8220;إنّ جوهر أزمة الهوية هو الشق الاقتصادي&#8221;، بالطبع مع عدم إنكار الجانب السياسي في شقيه الداخلي والخارجي.<br />
ما العمل.. كيف تواجه الدولة هذا التحدّي الجديد.. حتى لا نبقى ندور في حلقة التوصيف والتفكيك، وننتقل إلى الخطوات العملية كما يدعو الأستاذ والوزير السابق أمين محمود؟<br />
أولاً؛ ضرورة أن يصل مطبخ القرار إلى قناعة أساسية بأنّنا بحاجة إلى تجديد العقد الاجتماعي، وتحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والسيناريو الذي نريد أن نصل إليه مستقبلاً، حتى تكون الأمور واضحة للجميع، وتنتهي حالة الضبابية التي تثير الهواجس والقلق وتدخل من خلالها الخطابات المتطرفة.<br />
ثانياً؛ في الجانب السياسي، الإسراع في الأجندة الزمنية، لملء الفراغ، والتحضير لانتخابات تعيد تشكيل الطبقة السياسية، وتؤهل البرلمان من جديد ليكون مركز الثقة الشعبية، وفي ذلك لا بد من الحرص على مشاركة القوى التقليدية جميعاً، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.<br />
ثالثاً؛ في الجانب الاقتصادي، ملاحظة فجوة التنمية بين عمان والمحافظات المختلفة، وتوضيح أولويات الدولة في تخليق التنمية الحقيقية والتعليم وتحسين المدخلات لتشجيع القطاع الخاص والاستثمار، وبث ثقافة جديدة تعزز من قيمة العمل والإنتاجية.<br />
هنالك مسارات أخرى موازية لذلك. لكن المهم أن تكون رسالة الدولة واضحة محدّدة للجميع، فتعدد اللغات جعل من أجندة الدولة غامضة حتى لدى العاملين فيها. آن الأوان لطي صفحة وفتح أخرى جديدة والنظر إلى المستقبل، لكن بروح عقلانية منفتحة، وليست مأزومة متوترة!</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1666</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>الغنوشي: الديموقراطية وحقوق الانسان في الاسلام&#8230; التعددية السياسية ممكنة في الإطار الإسلامي والتجارب في مراحلها الأولى (1 من 4)</title>
		<link>http://www.judran.net/?p=1661</link>
		<comments>http://www.judran.net/?p=1661#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 15 Feb 2012 06:56:50 +0000</pubDate>
		<dc:creator>محمد</dc:creator>
				<category><![CDATA[مساهمون في التغيير]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.judran.net/?p=1661</guid>
		<description><![CDATA[الموجة الثالثة من الحركة الإصلاحية الإسلامية فقد ساد تيارها العام اقتناع لا يزال يتسع يوماً بعد يوم، ويكسب مزيداً من الأنصار إلى صفه، هو نوع من الانعطاف إلى تراث الجيل الأول من الحركة الإصلاحية ومحاولة التوفيق بينه وبين تراث الجيل الثاني من ناحية وبينه وبين النموذج الديموقراطي للحكم من ناحية ثانية، ويشهد على ذلك التطور الحاصل في كبرى الحركات الإسلامية: حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها وشبيهاتها في بلاد العرب والمسلمين وبلاد الأقليات الإسلامية.

وذلك في اتجاه تطوير نموذج للحكم الإسلامي هو صورة من الديموقراطية المعاصرة تمارس آليات الديموقراطية في الانتخاب والتعدد والتنافس واستقلال السلطات، ولكن بمضمون إسلامي يؤكد الشريعة الإسلامية إطاراً لذلك التعدد والاختيار، ويحرص على غائية للدولة تجعلها في خدمة الإسلام منضبطة بقيمه وليست مجرد مؤسسة لتحقيق مصالح دنيوية قومية. وذلك في نطاق الالتزام الاختياري أو الاضطراري بالإطار القومي للدولة، ولكنه يحاول ألا يذهل عن قيم الإسلام وشرائعه التي تؤكد أن الحكم إنما جعل لرعاية مصالح الناس في العاجل والآجل، وأن المسلمين أمة واحدة.

]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl"><a href="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/racched_ghannouchi1.jpg"><img class="alignleft size-full wp-image-1662" title="racched_ghannouchi1" src="http://www.judran.net/wp-content/uploads/2012/02/racched_ghannouchi1.jpg" alt="" width="240" height="334" /></a></p>
<p dir="rtl">الحياة اللندنية- الاربعاء, 15 فبراير 2012</p>
<p dir="rtl">راشد الغنوشي *</p>
<p dir="rtl">أولى الإسلام أهمية بالغة لعقيدة التوحيد وأشاد عليها كل بنيانه، حتى انداحت في كل مسلك للمسلم، وقد مثّل ذلك ضربة للشرك في كل أشكاله النظرية والعملية، ولذلك كانت دعوته ثابتة لوحدة الجماعة والتحذير من الفرقة والتشدد، دعوة إلى وحدة الدين ووحدة الجماعة ووحدة الكيان السياسي الإسلامي «الخلافة».</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">لكن الدعوة القطعية إلى التوحيد ونبذ الشرك والتفرق لم يكن معناها إلغاء لسنة الاختلاف المغروزة، بحسب تعبير صاحب «الظلال»، في أصل طبيعة الإنسان، وذلك في معرض تفسيره الآية الكريمة «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» (هود: 118 و119).</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">قال صاحب «الظلال»: خلقهم مختلفين، على ما يجمعهم من طبيعة واحدة، مختلفين في المدارك والأذواق والأمزجة والألوان والقوة البدنية والمهارات، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة: في العقيدة واللون والقوة والاتجاه، ولكن لأنه أرادهم أحراراً فكان الاختلاف ثمرة لكائن عاقل حر، ولم يكن شذوذاً عن الطبيعة بل هو مركوز في أصلها ومراد من مرادات الخالق الحكيم باعتباره مقصداً من مقاصد استخلاف الإنسان في الكون: أنه يصيب ويخطئ ويضل ويهتدي ويحسن ويسيء.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وهو مقصد الاستخلاف وتعمير الكون وابتلاء الإنسان بطبيعة مزدوجة تتزاحم فيها نزوعات الشر والخير، وبقدرات عقلية هادية وإرادة حرة قادرة على الاختيار وإرسال الرسل إليه عوناً لعقله، ليهتدي بنور الوحي، ادخاراً لجهوده أن تضيع في متاهات ميتافيزيقية لا قبل له بارتيادها، بحثاً في تفاصيل الألوهية والنبوة وقضايا المعاد والحلال والحرام والخير والشر لطالما طوح البحث فيها بالعقل وراء الزمان والمكان، فضلّ وأضل منصرفاً عن مجال عمله الطبيعي المثمر في نطاق الزمان والمكان.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">غير أن الوحي الإلهي انصب عمله على رسم الهيكل العام الذي يريده الله لحياة البشر من عقائد وعبادات وأصول الأخلاق، تاركاً في الغالب لعقول الناس التفصيل في أنظمة عيشهم، وفق ما يناسب أوضاعهم الاجتماعية ومستوياتهم الثقافية والحضارية، فإذ قد خلقهم أحراراً عاقلين وأنار عقولهم بالوحي بموجهات عامة لحياتهم، فقد غدا اختلافهم لا مناص منه قبولاً أو رفضاً للألوهية وللوحي من جهة أو تنزيلاً لأصول الوحي العامة على واقع متبدل متنوع، من جهة أخرى.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">تنظيم الاختلاف</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ولا ينجي من ذلك الاختلاف توخيهم لقيمة الشورى والتزامهم بها، إذ الشورى ليس هدفها استئصال الاختلاف من حياة الناس، وإنما تنظيمه بما يعيد مقداراً من الوحدة الطوعية إلى عالم الاختلاف والتعدد منعاً له من أن يتطور إلى قطيعة وتحارب وفتنة داخل الجماعة، أو مسوغاً للتجبر استطالة على خلق الله.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ولكن، على رغم أن الأمر بالشورى هو اعتراف بالاختلاف وسعي لتجاوزه كلما تعلق الأمر باتخاذ قرار يهم الجماعة، فما ينبغي لواحد منها أن ينفرد بالتقرير فيه. ولكن كيف ستدار الشورى؟ ما شروط المستشار؟ وما القضايا التي يستشار فيها كل أعضاء الجماعة الرشد، وما القضايا التي لا يستشار فيها إلا الخاصة (أهل الحل والعقد)؟ وكيف الوصول إليهم في أمة مترامية الأطراف؟ وما علاقة الخليفة بهذه الهيئة الشورية؟</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ومعنى كل ذلك أن الوحي لا ينطلق من إنكار طبيعة الاختلاف في البشر وفي بنية الكون ذاته، فما ينتظر ذلك من دين الفطرة وإنما هو شأنه مع كل مكونات الطبيعة البشرية، يعترف بها ويعمل على تهذيبها وتطويرها في اتجاه تلبية حاجاتها وفض معضلاتها لتحقيق أعلى درجة ممكنة من الانسجام والتوافق بين طبيعة حرة عاقلة تنتج الاختلاف ضرورة وبين مراد الله في توحيده وعبادته، وفي وحدة جماعة المسلمين، على اعتبار أن عيش الإنسان في جماعة هو الآخر مغروز في أصل فطرته بموازاة لميله الفطري إلى التمركز حول ذاته وابتغاء خيرها أو ما يحسبه كذلك، وإن كان على حساب ذوات أخرى، وهو ما من شأنه أن يمثل تهديداً لوحدة الجماعة، ما يقتضي ضروباً من الجدل والحوار والتفاوض بحثاً عن وفاق بين الإرادات المختلفة، فجاءت تشريعاته المتعلقة بجزئيات الحياة عامة تاركة ملء الفراغات لعقول البشر عبر الشورى، توصلاً إلى وفاق لا يلغي الاختلاف ولكنه يهذبه حتى يكون اختلاف تنوع ورحمة يغني الحياة، وليس اختلاف تناقض وصدام وتناف يدفع إلى الفتنة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">إذاً، فالميل إلى الاختلاف جزء من طبيعة الإنسان اعترف به الدين ودعا إلى تهذيبه عبر الحوار والشورى والتربية على الأخوة والمحبة والرفق والسماحة، ونبذ التعانف والشقاق، وذلك توصلاً إلى مستوى من مستويات الوحدة مهما ارتفع لا يبلغ أن يكون وحدة بسيطة لا عوج فيها ولا أمت، إذ الواحد الأحد بإطلاق هو الله وحده لا سواه، كل ما عداه صيغ نسبية للوحدة لا تنفي بالكامل ما بداخلها من اختلاف.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">تلازم الشورى والاجتهاد</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ويتأسس على أصالة منـزعي الاختلاف والوحدة في طبيعة الإنسان وعلى مبدأ ختم النبوة واستخلاف الأمة &#8211; وليس ضرباً من ضروب الكنيسة &#8211; أمينة على الوحي في غياب الرسل، لزوم مبدأي الشورى والاجتهاد ما بقي إسلام ومسلمون، بحثاً عن صورة من صور الإجماع، إذ الاجتهاد كالشورى، تكليف لكل مؤمن، فلكل مؤمن حظه من الاجتهاد وحظه من الشورى، وفق مستواه العلمي المعرفي وقدراته ومسؤولياته في الجماعة، تأسيساً على مبدأ حرية الإنسان واستخلافه وختم النبوة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ولأن ذلك سيقود حتماً إلى تهديد مبدأ وحدة الجماعة بسبب كثرة الاجتهادات، فقد وجب تنظيم الشورى حتى تنتقل من مجرد موعظة وقيمة خلقية إلى جملة من الآليات، إلى نظام للمشاركة العامة والخاصة في إدارة الشأن العام يسد باب الانفراد أو الفتنة (الفوضى)، وذلك عبر التداول في ما يطرح من آراء واجتهادات تتعلق بالشأن العام، توصلاً إلى مستوى من مستويات الإجماع حول موقف مشترك يوجه عمل الجماعة في مرحلة معينة، لأن ساحة الرأي والاجتهاد تتسع للتعدد، بل لا تنمو إلا في مناخه، بينما إذا تعلق الأمر بعمل تكون الحاجة ماسة أن نكون يداً واحدة على من سوانا «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص» (الصف: 4).</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">فكيف السبيل في الجماعة إلى التوصل عبر الشورى إلى القرار الجماعي الذي يرفع الخلاف في مستوى العمل، حتى وإن أبقى عليه &#8211; حقاً للجميع &#8211; في مستوى الفكر، سواء كانوا جميعاً مسلمين أم كان أكثرهم أو أقلهم، على اعتبار أن المجتمع الإسلامي ومنذ مجتمع المدينة: أول اجتماع إسلامي في شكل دولة، كان تعددياً ضم مسلمين من قبائل ومستويات اجتماعية مختلفة، وفئات تنتمي إلى معتقدات أخرى، تولى دستور المدينة متمثلاً في «الصحيفة» تنظيم حقوق وواجبات المواطنة بينهم، ما جعل منهم على اختلافهم «أمة واحدة من دون الناس»، وفق تعبير الصحيفة ليست أمة العقيدة وإنما هنا أمة السياسة، أي المشتركين في صفة المواطنة في دولة المدينة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وعلى رغم ما حصل من انقلاب على نموذج الحكم الراشد حكم الشورى والتداول السلمي للسلطة إلى ملك الجبر والوراثة فقد استمر ذلك التقليد وتلك الثقافة على امتداد الزمان والمكان في بلاد المسلمين، حيث مثلت المجتمعات الإسلامية فضاءات واسعة للحرية والعدل والسماحة والاعتراف بحق الاختلاف بما جذب إليها خيرة العقول من كل ملة، حيث انفتحت فرص لا محدودة للحياة الآمنة، والإبداع والتعبير عن عبقريتها، من يهود ونصارى وصابئة ومانويين وزرادشت.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ربيع الاعتراف بالآخر</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">حتى إن العراق وهو الذي عرف ربيع الحضارة الإسلامية مدة خمسة قرون لا يزال حتى اليوم فسيفساء من الديانات والنحل ليس لبعضها امتداد في أي مكان خارجه. وما شهد التاريخ بأن الدولة العظمى بفقهائها وقضاتها استهدفت أقلية يوماً بالإبادة والاضطهاد، حتى عباد الشياطين والفروج والأشجار، ناهيك عن المذاهب النصرانية والفرق الإسلامية التي لا يكاد العد يأتي عليها.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وكذلك كانت كل المجتمعات الإسلامية مفتوحة لكل مضطهد وكل كفاءة، كما كانت تنتقل منها وإليها وفي أرجائها الواسعة السلع والأفكار والأشخاص، مخترقة &#8211; في يسر كل الحدود السياسية لهذا الأمير أو ذاك &#8211; من دون حواجز، مما لم تسامق أفقه حتى الحضارة المعاصرة على تقدمها، ناهيك بخلائفهم المتخلفين، بما أصابهم من داء التخلف والضيق بالاختلاف والتعصب للرأي والسعي الدؤوب لتضخيم المختلف حوله واتخاذه مشروعاً للحرب الأهلية وللتنافي والشقاق بدل إبراز جوانب الاتفاق والترفق في معالجة مواطن الخلاف، والتعامل معها في شكل حضاري، بدرء العنف في مواجهة صاحب أي فكرة مهما كانت غرابتها، إذ العنف فقط لا مشروعية له في غير مواجهة العنف بالمقدار المناسب من دون إسراف في القتل، مع ضرورة إبقاء باب التراجع والصلح أبداً مفتوحاً، ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد:</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">1- أن تسامح المسلمين مع أهل المذاهب والديانات الأخرى كان ولا يزال أرحب من تعاملهم مع بعضهم.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">2- أن المسلمين، وخلافاً للغربيين الوسطيين، كان ولا يزال اختلافهم الأعظم وتحاربهم الأشد والأعنف ليس مبعثه الدين، وإنما السياسة، صراعاً على السلطة لم تحكمه آليات شورية تنقله من مستوى التحارب والعنف إلى مستوى صراع سلمي حضاري، من قبيل ما نجح فيه الغربيون، أن حولوا شورانا إلى آلة حكم تدير الاختلاف سلماً.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">عرف تاريخنا تعددية دينية ثقافية مذهبية لم تعرفها أمة أخرى، وكان ذلك مصدر ثراء وازدهار واستقرار، ذلك على صعيد المجتمع الأهلي الذي كان غاية في السماحة والثراء عموماً، إذ غلب التعايش بين مذاهب السنّة والشيعة والخوارج والمعتزلة، بين الصوفية والسلفية، وبين أصحاب المذاهب، ولم تتعرض للحرب إلا الفرق المتطرفة العنيفة، فبادت، وما بقي منها غير جماعات الاعتدال في كل مذهب تقريباً، وكذلك عرفت مجتمعاتنا تعايشاً حضارياً نوعياً عجيباً مع أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، ذلك على الصعيد الثقافي والديني، فكانت الشورى الفقهية والأدبية والمناظرات تجرى على نطاق واسع.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أما على الصعيد السياسي فقد خنقت الشورى، وغدت معارضة الحاكم سبيلها الأغلب هو العمل السري المفضي إلى الخروج المسلح، لكن الفقهاء، وإن اضطر تيارهم الرئيسي إلى إعطاء شرعية الأمر الواقع لحكام الجور، فقد تمكنوا من أن ينتزعوا منهم صلاحيات واسعة، حصرت سلطاتهم في جوانب التنفيذ، ليستقلوا هم بسلطة توجيه المجتمع ثقافياً، ويتولوا سلطة التشريع، عبر الاجتهاد، وسلطة القضاء بين الناس. وبذلك لم يتحول الحاكم الظالم ظلاً لله في الأرض، بل ظل ينظر إليه على أنه ظالم شاذ عن النموذج النبوي الراشد، وظلت الثورة عليه ممكنة بالتالي، وظلت الشريعة معترفاً لها من الجميع بالعلو فوق سلطة الحاكم، كما ظل النموذج النبوي الراشد للحكم مثلاً أعلى تلقنه الثقافة العامة للأجيال.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">الشورى بمقدار ما كانت تعمل على نطاق واسع في المستوى الفقهي والثقافي وفي مستوى المجتمع المدني عامة، بمقدار ما حوصرت وصودرت في المستوى السياسي، لذلك لم تتطور  الشورى في هذا المستوى إلى نظام يجتث النموذج الإمبراطوري الفارسي والروماني، النموذج الفرعوني الذي ندد به القرآن ولعنه، وإنما حاباه وتأثر بعض الشيء به وحاول تطويعه، وما ذاك إلا بسبب عمق وتمكن ثقافة وروح وأنظمة الاستبداد في العالم يومئذ، وهو ما يسّر الإجهاز على نظام الشورى في المجال السياسي وطوى صفحة الخلافة الراشدة لمصلحة النموذج الإمبراطوري المتأله السائد.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">فظلت الشورى كرمز إسلامي لحكم الأمة فارغة من كل محتوى سياسي تقريباً، ظلت تنتظر تطور الفكر السياسي الغربي لينقلها من كونها قيمة خلقية وموعظة دينية إلى نظام سياسي يقر للأمة بأنها صاحبة السلطة تمارسها عبر آليات محددة، كتعدد الأحزاب، والاقتراع، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، ومبدأ التداول على السلطة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">الديموقراطية والمسلمون</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وكان من الاتفاقات السيئة في عصرنا أن اقترنت الآليات المعاصرة للشورى، المعروفة في عصرنا بالديموقراطية، في أذهان المسلمين بأصولها الاستعمارية وبخلفياتها العلمانية، وثقافتها القومية، وكل ذلك ثقيل على حس المسلم مجاف لثقافته الدينية، وبسبب الملابسات التي أحاطت بورود الديموقراطية إلى بلاد المسلمين، ولا يزال في أذهان المسلمين مقدار غير قليل من الخلط حول الديموقراطية، بين ما صاحبها من علمنة وتفسخ وإلحاد وعدوان على الشعوب، وبين كونها آليات لاستخراج القرار الجماعي في الشأن العام، عبر التعدد الحزبي والاحتكام لصناديق الاقتراع، والتساوي في المواطنة حقوقاً وواجبات.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">فهل يمكن الإسلام وهو الذي قام بنيانه على توحيد الله ووحدة الجماعة، واعتبار المؤمنين جميعاً حزباً واحداً هو «حزب الله» مقابل «حزب الشيطان»، بما يكون معه التعدد الحزبي غير مؤامرة لتفريق جماعة المسلمين، بينما هي أحوج ما تكون لوحدة الكلمة حتى تواجه أعداءها؟</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">هل يمكن هذا التعدد الذي تتحدث عنه الديموقراطية أن يجد له مكاناً مقبولاً بل مريحاً في نظام إسلامي وحياة إسلامية؟ وهل من عجب وقد شاب الديموقراطية هذا الركام من الملابسات أن يرفع عدد من رموز الدعوة الإسلامية المعاصرة صوته بالتحذير من التعددية الغربية، مثلما فعل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله الذي دعا في الأربعينات إلى حل الأحزاب المصرية والاستعاضة عنها بتكتل واحد ينقذ البلاد من هذا التعفن الحزبي، ويرصها صفاً واحداً لخوض معركة التنمية ومواجهة أعدائها، والمشروع الصهيوني الذي أخذت بذور سمومه الأولى تترعرع في المنطقة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وتطور عبر التجارب والمحن موقف الإخوان من مسألة الأحزاب في اتجاه المطالبة باعتمادهم حزباً ومناداتهم بتعددية منضبطة بمبادئ الدستور الذي ينص على إسلامية الدولة والشريعة مصدراً أساسياً للقوانين، وبلغت ممارستهم الديموقراطية في النقابات وفي المستوى السياسي حد الدخول في جبهة للتغيير مع ممثلي الجماعات العلمانية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أما خطب الإمام روح الله الموسوي الخميني، رحمه الله، فما عرف عنها لا يبشر بتعددية ديموقراطية على رغم حملتها العاصفة على الديكتاتورية، مع أن الرجل أرسى نظاماً للدولة هو مزيج بين الديموقراطية والثيوقراطية، فقد توافر على آليات لانتخابات جادة ظلت تنافسية حامية بين اتجاهين محافظ وآخر إصلاحي للفوز بالنيابة في البرلمان ومجالس البلديات ورئاسة الجمهورية، من دون أن تنتقص بأي طعن في نزاهتها، ولكن، في إطار محدد هو نظام ولاية الفقيه، لم يتسع لاتجاهات إسلامية أخرى بل الاتجاهات العلمانية. إلا أن جماعات شيعية في أكثر من بلد باشرت العمل السياسي باعتبارها أحزاباً إسلامية ديموقراطية، فخاضت الانتخابات النيابية ودخلت في تحالفات.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">الحركة الإصلاحية</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">غير أن هذا الموقف السلبي من التعددية الحزبية والديموقراطية الغربية الذي طبع الحس الإسلامي العام في أوساط الحركة الإسلامية لم يكن محل إجماع، بل حتى منتشراً أصلاً لدى الآباء المؤسسين للحركة الإصلاحية المعاصرة في القرن التاسع عشر على يد الثائر جمال الدين الأفغاني وتلميذه المصري محمد عبده. بل كانا أميل إلى الفكر الليبرالي في إعلائه قيمة الحرية وضيقه بالتسلط وحملته ضد الاستبداد السائد في الأمة الذي تمارسه الخلافة ومن على شاكلتها من أنظمة الحكم المتمسحة بالإسلام، تمارسه باسم الإسلام نفسه.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">عملت الحركة الإصلاحية على إبراز قيمة الحرية في الإسلام والتشنيع على الاستبداد، ولم تكتف بذلك في مصر مثلاً، بل عملت على تأسيس الأحزاب الوطنية، إذ كانت ترى سر التفوق الغربي وغلبته على أمتنا يكمن في ما يسود الحياة الغربية من حرية وإعلاء لسلطة القانون فوق إرادة الحاكم، وهو ما فتح فيها مغاليق العقول للعلوم والمعارف، على رغم مجانبتهم الدين، وذلك مقابل ما نحن فيه من ضعف وتخلف وتفرق وجهالة بسبب غلبة الاستبداد في حياتنا الذي كبل العقول وألّه الحكام، وكانت رسالة «طبائع الاستبداد» للكواكبي عاصفة عاتية ضد استبداد الخلافة، وإعلاء قيمة الحرية في الإسلام.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">غير أن الموجة الثانية من الحركة الإسلامية انطلقت من خيبة أمل في النموذج الغربي بسبب ما نقله إلى الأمة من آفات الاحتلال والاستغلال، وإفشاء المفاسد، فعملت على رد سطوته الفكرية وغزوه الثقافي، من طريق الدعوة إلى الاجتهاد وإلى اكتشاف النموذج الإسلامي للحياة من دون تأثر بالنموذج الغربي.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">مع ذلك، لم يتمكن هؤلاء الرواد من النجاة جملة من التأثر بالنموذج الغربي للحكم، فقد اعتبر الإمام البنا، على رغم دعوته إلى حل الأحزاب، النظام النيابي أقرب نماذج الحكم إلى الحكم الإسلامي، فرشّح نفسه وبعض إخوانه لعضوية المجلس النيابي، أما الإمام الخميني فقد بنى دولة على غير شبه بنماذج الحكم الإسلامي في التاريخ من خلال الاستفتاء على دستور يفصل بين السلطات ويجعلها كلها تنبثق من صناديق الاقتراع، وهي آليات غربية ولا شك، على رغم الحرص على المضمون الإسلامي، والحملة على النظام الغربي.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أما الموجة الثالثة من الحركة الإصلاحية الإسلامية فقد ساد تيارها العام اقتناع لا يزال يتسع يوماً بعد يوم، ويكسب مزيداً من الأنصار إلى صفه، هو نوع من الانعطاف إلى تراث الجيل الأول من الحركة الإصلاحية ومحاولة التوفيق بينه وبين تراث الجيل الثاني من ناحية وبينه وبين النموذج الديموقراطي للحكم من ناحية ثانية، ويشهد على ذلك التطور الحاصل في كبرى الحركات الإسلامية: حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها وشبيهاتها في بلاد العرب والمسلمين وبلاد الأقليات الإسلامية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وذلك في اتجاه تطوير نموذج للحكم الإسلامي هو صورة من الديموقراطية المعاصرة تمارس آليات الديموقراطية في الانتخاب والتعدد والتنافس واستقلال السلطات، ولكن بمضمون إسلامي يؤكد الشريعة الإسلامية إطاراً لذلك التعدد والاختيار، ويحرص على غائية للدولة تجعلها في خدمة الإسلام منضبطة بقيمه وليست مجرد مؤسسة لتحقيق مصالح دنيوية قومية. وذلك في نطاق الالتزام الاختياري أو الاضطراري بالإطار القومي للدولة، ولكنه يحاول ألا يذهل عن قيم الإسلام وشرائعه التي تؤكد أن الحكم إنما جعل لرعاية مصالح الناس في العاجل والآجل، وأن المسلمين أمة واحدة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">التغيير اللاعنفي</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">إن هذا التوجه الفكري السياسي إلى القبول بآليات الحكم الديموقراطية سبيلاً للتغير بديلاً من نهج العنف والسرية، ونموذجاً للحكم يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع ضمن تنافس مفتوح على تعددية لا تستثني أي اتجاه سياسي مهما كانت خلفيته الأيديولوجية ما دام يقبل بمبادئ الديموقراطية وتداول السلطة سلمياً عبر صناديق الاقتراع ويرفض طرائق العنف، إن هذا التوجه إلى اعتماد نهج التغيير السلمي المتدرج يحظى بالمزيد من التأييد في أوساط الإسلاميين ويجد الدعم من مراجع إسلامية كبرى، مثل اتحاد علماء المسلمين وعلى رأسه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وكبريات الحركات الإسلامية، إلا أنه لا يجد ترحيباً من أكثر من جهة خارجية وداخلية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">فمن داخل الصف الإسلامي لا تزال جماعات جهادية تصر على رفض هذا النهج بحجة تكفير الأنظمة واعتبار الجهاد السبيل الوحيد للإطاحة بأنظمة مرتدة وللتصدي للقوى الدولية الداعمة لها واعتبار الديموقراطية بضاعة كافرة لا مكان لها في الإسلام.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">كما أن الأنظمة القائمة، كثير منها ليس سعيداً بل هو مغيظ من هذا التطور في الحركات الإسلامية، لأنه يحرج موقفه في إقصاء الحركة الإسلامية والتعيش من دعوى محاربته للإرهاب تسويغاً لتعطيل عملية التحول الديموقراطي واستجلاباً للعطف والمعونات الخارجية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">أما القوى الخارجية فعلى رغم ما تروجه من دعاوى الإصلاح الديموقراطي سبيلاً لمقاومة الإرهاب وتحصيناً لأمنها القومي ومجالها، فلا يزال هاجس الخوف من الإسلام بل العداء المكين له هو الغالب على مواقفها، وقد جاءت العملية الديموقراطية في الجزائر وأخيراً في فلسطين لتكشف ما خفي من تلك العداوة والازدواجية وأزمة الموقف الغربي الأخلاقية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وبالجملة لا يزال الصراع محتدماً بين دعاة السماح بالتعددية في إطار موازين الشريعة الإسلامية وبين قوى المحافظة الرافضة للتعددية جملة بدعوى وادعاء امتلاك الحقيقة الإسلامية المطلقة وتكفير الديموقراطية الغربية والتعدد الحزبي.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">غير أن تيار التعددية &#8211; بفعل تنامي الوعي بأهمية قيمة الحرية في الإسلام وبأثر الوعي بإكراهات الواقع ومصائب الديكتاتورية &#8211; يتسع ويقوى مده غير مستبق على هامش غير قليل من الجماعات الصغيرة تحمل دعاوى بامتلاك الحقيقة الإسلامية المطلقة، بما يجعل المخالف في موقع الضلال والفسق والكفر.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">غير أن ما هو جدير بالملاحظة أنه، حتى القابلين بالتعدد الحزبي سواء كانوا من تمكن من انتزاع الاعتراف به من طرف الأنظمة العلمانية المستظلة بظل الديموقراطية أو ممن لا يزال يحاول، الغالب على هؤلاء أنهم قد اندرجوا في ظل التعدد الحزبي من دون تأصيل نظري أو اجتهاد إسلامي يفسح لهذا التعدد مكاناً في أرض الإسلام، ما جعل هذه الممارسة الديموقراطية تنافساً حتى مع أحزاب وجماعات علمانية، إن على صعيد الانتخابات النيابية أو على صعيد النقابات فاقدة الأرضية الفكرية الإسلامية التي تمدها بالحياة والنماء، أللهم إلا أن تعتبر عند هؤلاء من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، وهو أمر مثير للمخاوف لدى الجماعات المنافسة للإسلاميين من أن الديموقراطية تستخدم هنا لأغراض ذرائعية بحتة، يمكن أن ينقلبوا عليها يوم أن يتمكنوا من تجاوز أوضاع الضرورة. وليس لمنافسيهم العلمانيين أقدام أرسخ منهم في قيم وثقافة الديموقراطية، وهم الوارثون لثقافة الأنظمة الشمولية الماركسية والقومية الوطنية.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">والحق أنه، وإن لم يمارس المسلمون في تاريخهم التعدد السياسي الحزبي، فقد مارسوا أنواعاً من التعدد الديني والثقافي والاجتماعي صالحة لأن يتأسس في أرضها التعدد السياسي الذي حال الاستبداد الذي كان روحاً عالمية تأثر بها المسلمون من دون تعبير قيمة الشورى عن نفسها في شكل سياسي.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">وما يحصل في الديموقراطيات الغربية العريقة من تداول للسلطة بين حزبين يشتركان في الاختيارات الكبرى ويختلفان في التفاصيل، وتبقى على هامشهما أقليات ذات اليمين وذات الشمال، يذكر بعض الشيء بما يحصل في الجمهورية الإسلامية اليوم من تنافس حاد بين تيار الإصلاحيين وتيار المحافظين على أرضية الإسلام، وبما حصل في فلسطين وإن كانت التجربتان في الانتظار، الأولى حتى تستوعب كل مكونات الشعب الإيراني، والثانية حتى يسلم الطرف  المغلوب بالنتيجة ولا يستغل الظروف لإفشالها.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">فهل يستمر الفريقان على الصبر بعضهما على بعض، والاحتكام إلى الجماهير لحل خلافاتهما عبر صناديق الاقتراع، فيشهد العالم نموذجاً مستقراً مزدهراً للتطبيق الإسلامي المعاصر للشورى؟ أم ستغلبهما مواريث التخلف ويتنادى الفريقان إلى استخدام عنف الدولة أو عنف الجماعات لحسم الخلافات كما حصل في أفغانستان والسودان؟</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">ذلك هو رهان المستقبل الإسلامي والتحدي التاريخي الكبير، التفوق فيما فشلنا فيه تاريخياًَ ونجح الغرب، إرساء نظام الشورى، جمعاً بين الوحدة والحرية، بين حكم الله وحكم الأمة.</p>
<p dir="rtl"> </p>
<p dir="rtl">* زعيم حركة النهضة التونسية، حزب الغالبية في حكم ما بعد الثورة، والنص مقطع من كتابه الجديد «الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام» الذي يصدر قريباً عن الدار العربية للعلوم &#8211; ناشرون في بيروت ومركز الجزيرة للدراسات في الدوحة</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.judran.net/?feed=rss2&amp;p=1661</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>

