ما قدّمه الوزير بلغة علمية موثّقة ليست حججاً جديدة، فهو قرار مؤجّل منذ عامين، أي في عهد حكومة سمير الرفاعي 2010، ثم حكومة معروف البخيت، لم تستطع أيّ منها اتخاذه، خشيةً من انعكاساته السلبية، برغم حملات التمهيد التي كانت تتم دوماً، ثم تتراجع تلك الحكومات بعد التقاط ردود الفعل السلبية على تلك التسريبات.
لا جديد على الوضع السياسي، بل لا نبالغ إن قلنا أنّ الأمور أكثر حساسية اليوم، مع مناخات الربيع العربي وزيادة الضغوط اليومية الاقتصادية على المواطنين، فكل هذه الوقائع تخلق حالة أكثر صعوبة لتمرير مثل هذه القرارات.
في المقابل؛ يؤكّد المسؤولون أنّ تأجيل هذا الاستحقاق لم يعد ممكناً، إذ أنّ الوضع الاقتصادي أصبح بالفعل مهدّداً على حافة الكارثة (وفقاً لوصف طوقان). والأخطر من ذلك وفقاً لمسؤول كبير في الدولة هو الجانب المعنوي والرمزي، في حال بدأت الأقاويل والدعايات السوداء حول استقرار الدينار تنتشر، وأدت إلى تفكير شرائح واسعة بحلول فردية، ستكون هي – لا سمح الله- معول الهدم الحقيقي للاقتصاد الوطني.
نحن أمام معضلة حقيقية تتمثّل في أنّ الحكومة مضطرة ومرغمة على رفع الدعم وإعادة تعريف أسعار الخدمات في أقرب وقت “حماية للموازنة” والاقتصاد. في المقابل هنالك مناخ سياسي متفجّر ومحتقن وقوى اجتماعية تدفع باتجاه معاكس نحو تحسين أوضاعها الاقتصادية من خلال الموازنة، بعدما تحوّل مشروع إعادة الهيكلة من “إنجاز” إلى أزمة جديدة بحد ذاته، لدى شرائح اجتماعية واسعة.
ما الحل، إذاً؟..
يمنحنا “الموعد” (أي شهر نيسان)، الذي تتحدث عنه الحكومة، عدة أسابيع، لطرح الموضوع سياسياً وإعلامياً للحوار العام، والمطلوب أن يكون هنالك توافق وطني على الخطوات المقترحة لإنقاذ الاقتصاد الوطني في الوقت نفسه طمأنة الشرائح الاجتماعية العريضة من عدم تحميلها أعباءً جديدة لا تقدر عليها.
إلى اليوم تبدو المشكلة الحقيقية أمام الحكومة في عدم وضوح الآليات والإجراءات التي ستقوم بها لحماية الطبقات الواسعة، فالمبلغ المطروح (50) مليون دينار لا يكفي بالتأكيد، والتفكير الحكومي معني اليوم بوضع “حزمة” متكاملة تشمل إعادة النظر في الضرائب لتحقيق قدر أكبر من العدالة، وقانون العمل (حقوق العمال والحد الأدنى من الأجور)، وهيكلة سوق العمل (مئات الآلاف من العمال الوافدين!)، ومعالجة حقيقية جادة للتهرب الضريبي، و”إعادة هيكلة النفقات” في الموازنة وهي مثار نقاش مبطّن وحاد لدى أغلبة المواطنين اليوم.